جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠٩ - المراد بالمماثلة في وقت الظهرين
..........
يفيء»: إذا رجع، و قد يطلق على مجموع الأمرين، و إن كان ربما قيل نقلًا عن إرشاد الجعفرية: «إنّ الظلّ ما يكون من أوّل النهار إلى زوال الشمس، و الفيء من حين الزوال إلى الغروب» [١]، و إليه يرجع ما في حواشي الشهيد من: «أنّ الظلّ ما تنسخه الشمس و الفيء ما ينسخ الشمس» [٢].
إلّا أنّ الإنصاف عدم التزام ذلك في الإطلاقات كما لا يخفى، بل لا يبعد أنّه في العرف للأعمّ منهما.
ثمّ إنّ اشتراك هذه الألفاظ بين هذه المعاني صار سبباً لاشتباه الأمر في المقام، و حينئذٍ فيكون مراد السائل أنّه ما معنى ما جاء في الحديث من تحديد أوّل وقت الظهر و العصر تارةً بصيرورة الظلّ قامة و قامتين، و اخرى بصيرورته ذراعاً و ذراعين، و اخرى قدماً و قدمين، و جاء من هذا القبيل مرّة و من هذا اخرى؟ فمتى هذا الوقت الذي يعبّر عنه بألفاظ متباينة المعاني؟ و كيف يصحّ التعبير عن شيء واحد بمعانٍ متعدّدة، مع أنّ الظلّ الباقي عند الزوال قد لا يزيد على نصف القدم؟ فلا بدّ من مضيّ مدّة مديدة حتى يصير مثل قامة الشخص، فكيف يصحّ تحديد أوّل الوقت بمضيّ مثل هذه المدّة الطويلة من الزوال؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّ المراد بالقامة- التي يحدّ بها أوّل الوقت التي هي بإزاء الذراع- ليس قامة الشخص الذي هو شيء ثابت غير مختلف، بل المراد مقدار ظلّها الذي يبقى على الأرض عند الزوال الذي يعبّر عنه بظلّ القامة، و هو يختلف بحسب الأزمنة و البلاد، مرّة يكثر و مرّة يقلّ، و إنّما يطلق عليه القامة في زمان يكون مقداره ذراعاً، فإذا زاد الفيء- أعني الذي يزيد من الظلّ بعد الزوال- بمقدار ذراع حتى صار مساوياً للظلّ فهو أوّل الوقت للظهر، و إذا زاد ذراعين فهو أوّل الوقت للعصر، و أمّا قوله (عليه السلام): «فإذا كان ظلّ القامة أقلّ أو أكثر ... إلى آخره»، فمعناه أنّ الوقت إنّما يضبط حينئذٍ بالذراع و الذراعين خاصّة دون القامة و القامتين.
و أمّا التحديد بالقدم فأكثر ما جاء في الحديث فإنّما جاء بالقدمين و الأربعة، و هو مساوٍ للتحديد بالذراع و الذراعين، و ما جاء نادراً بالقدم و القدمين فإنّما اريد بذلك تخفيف النافلة و تعجيل الفريضة طلباً لفضل أوّل الوقت فالأوّل، و لعلّه (عليه السلام) لم يتعرّض للقدم عند تفصيل الجواب لما استشعر من السائل عدم اهتمامه بذلك، و أنّه إنّما كان أكثر اهتمامه بتفسير القامة و طلب العلّة في تأخير أوّل الوقت إلى ذلك المقدار. و حينئذٍ لا يكون في الخبر غبار و لا إجمال، و لا شيء ممّا يرد على تفسير الشيخ له، و إن ردّه غير واحد من الأصحاب لذلك. نعم يصير جزئيّاً مختصّاً بزمان خاصّ و مخاطب مخصوص، و لا بأس بذلك. فإن قيل: اختلافُ وقتي النافلة في الطول و القصر بحسب الأزمنة و البلاد، و تفاوتُ حدّ أوّل وقتي الفريضتين التابع لذلك لازم على أيّ التقادير؛ لما هو معلوم من سرعة تزايد الفيء تارةً، و بطئه اخرى، فالذراع حيث يكون الباقي من الظلّ قليلًا غيره إذا كان كثيراً. قلنا: نعم ذلك كذلك، و لا بأس به؛ لأنّه تابع لطول اليوم و قصره كسائر الأوقات في الأيام و الليالي. كما أنّه لا يكون هذا الخبر حينئذٍ منافياً للمختار بوجه من الوجوه؛ ضرورة كونه حينئذٍ كأخبار الذراع و نحوه ممّا هو وارد في تحديد أوّل الوقت الأوّل، لا آخره كي ينافي المثل و المثلين كما ستعرفه مفصّلًا.
و كيف كان ف [- ابتداء التقدير إنّما هو من أوّل الفيء الحادث، لا منه و من الظلّ الباقي].
[١] نقله في مفتاح الكرامة ٢: ١٩- ٢٠.
[٢] المصدر السابق: ٢٠.