تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٣٣٩ - سنة ١١٦٠ هـ-١٧٤٧ م السيّد هاشم الحطّاب
بذلك علماء النجف و رجال الدين بواسطة الوجوه من الشيعة في بغداد. ثمّ سار الوفد التركي إلى النجف الأشرف، و في طريقهم أقاموا في كربلاء مدّة. و كانوا نخبة من أهل العلم و الجلالة و النظر، و فيهم قاضي القضاة، و شيخ الإسلام إلى أمثال ذلك، و بخدمتهم الجيش و الضبّاط من بغداد. فعندئذ أجمع علماء النجف برأي واحد على أن يخرجوا جماعة من العلماء الأفاضل، و منهم السيّد هاشم الحطّاب، و كان حسن البيان متكلّما كأصحابه من الروحانيين العرب على هيئة الحطّابين بلباسهم الرثّ لملاقات الوفد في الطريق للإطلاع و لو إجمالا على ما هم عازمون عليه. فبيناهم سائرون و إذا الوفد التركي ضارب خيامه في أثناء مراحل طريق كربلاء للراحة، و نزل الحطّابون بقربهم بحيث يسمع كلّ منهم صوت الآخر، و كان الترك إذ ذاك مشغولين بطبخ، و حرّر الحطّابون مسألة علميّة في الإمامة و أنّه لابدّ من إمام حق في كلّ عصر من الأعصار. و طال النزاع بينهم، و قدّم الوفد طعاما للحطّابين فأبوا قبوله بأنّهم على كفاية من الزاد، ثمّ جلس بعضهم يستمع كلام الحطّابين، و رجع البعض إلى الوفد و أخبر كبارهم بما سمعوه، و بعد قليل قدم شيخ الإسلام و رفقاؤه كلّهم للنظر فيهم، و الفرجة عليهم، و السماع لحديثهم العلمي، و بعد مضي ساعات من النهار سألوهم:
من أين أنتم؟. نحن حطّابون من أهل النجف.
أعلماء أنتم؟. كلاّ نحن حطّابون، و علماء النجف في النجف.
ثمّ رجع الوفد إلى مخيّمهم و تشاوروا فيما بينهم فأجمعوا من مكانهم على الرجوع إلى بغداد و لم يدخلوا النجف للقناعة التي حصلت عندهم-حيث كان استدلال الحطّابين على مسألتهم من طريق العقل و النقل، و هو المطلوب نقاشا إيجابا و سلبا- و رهبة من ملاقات علماء النجف و مناظرتهم فيها وَ كَفَى اَللََّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتََالَ وَ كََانَ اَللََّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [١] .
[١] سورة الأحزاب: الآية ٢٥.