تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٢٢٣ - الرحّالة ابن بطوطة يزور النجف
العليّة فإن أذنتم و إلاّ رجع، و إن لم يكن أهلا لذلك فأنتم أهل المكارم و الستر، ثمّ يأمرونه بتقبيل العتبة و هي من فضّة و كذلك العضادتان، ثمّ يدخل القبّة و هي مفروشة بأنواع البسط من الحرير و سواه، و بها قناديل الذهب و الفضّة منها الكبار و الصغار، و في وسط القبّة مسطبة مربّعة مكسوّة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل، مسمّرة بمسامير الفضّة قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء، و ارتفاعها دون القامة. و فوقها ثلاثة من القبور يزعمون أنّ أحدها قبر آدم عليه الصلاة و السلام، و الثاني قبر نوح عليه الصلاة و السلام، و الثالث قبر علي رضي اللّه تعالى عنه.
و بين القبور طسوت ذهب و فضّة فيها ماء الورد و المسك و أنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك و يدهن به وجهه تبرّكا. و للقبّة باب آخر عتبته أيضا من الفضّة و عليه ستور الحرير الملوّن يفضي إلى المسجد مفروش بالبسط الحسان مستورة حيطانه و سقفه بستور الحرير، و له أربعة أبواب عتابها فضّة و عليها ستور الحرير.
و أهل هذه المدينة كلّهم رافضيّة [١] . و هذه الروضة ظهرت بها كرامات لأنّ بها قبر علي عليه السّلام، فمنها أنّ في ليلة السابع و العشرين من رجب و تسمى عندهم"ليلة المحيا" [٢] يؤتى إلى تلك الروضة بكلّ مقعد من العراقين و خراسان و بلاد فارس و الروم، فيجتمع منهم الثلاثون و الأربعون نحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدّس و الناس ينتظرون قيامهم و هم ما بين مصلّ و ذاكر و تال و مشاهد للروضة، فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك قام الجميع أصحّاء من غير سوء و هم يقولون: "لا إله إلاّ اللّه، محمد رسول اللّه، علي ولي اللّه". و هذا أمر يستفيض عندهم
[١] اجري هذا الاسم على شيعة علي عليه السّلام و هو غالبا ما يراد به الانحراف عن الدين مع أنّ حبّ علي عليه السّلام و أهل بيته عليهم السّلام من أقوى علامات الإيمان، و قد صحّ أنّه"لا يحبّه إلاّ مؤمن و لا يبغضه إلاّ منافق"كما في صحيح مسلم و غيره.
[٢] هي ليلة المبعث النبوي، بعث اللّه تعالى فيه نبيه محمدا"صلّى اللّه عليه و آله.