تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٢٢٤ - الرحّالة ابن بطوطة يزور النجف
سمعته من الثقاة، و لم أحضر تلك الليلة لكنّي رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال:
أحدهم من أرض الروم، و الثاني من أصبهان، و الثالث من خراسان و هم مقعدون، فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنّهم لم يدركوا ليلة المحيا و إنّهم منتظرون أوانها من عام آخر، و هذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد و يقيمون سوقا عظيمة مدّة عشرة أيّام.
و ليس بهذه المدينة مغرم و لا مكاس [١] و لا وال إنّما يحكم عليهم نقيب الأشراف، و أهلها تجّار يسافرون في الأقطار و هم أهل شجاعة و كرم و لا يضام جارهم صحبتهم في الأسفار فحمدت صحبتهم لكنّهم غلوا في علي عليه السّلام. و من الناس في بلاد العراق و غيرها من يصيبه المرض فينذر للروضة نذرا إذا بريء و منهم من يمرض رأسه فيصنع رأسا من ذهب أو فضّة و يأتي به إلى الروضة فيجعله النقيب في الخزانة و كذلك اليد و الرجل و غيرهما من الأعضاء، و خزانة الروضة عظيمة فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته. و نقيب الأشراف مقدم من ملك العراق، و مكانه عنده مكين، و منزلته رفيعة، و له ترتيب الأمراء الكبار في سفره، و له الأعلام و الأطبال، و تضرب الطبلخانة عند بابه مساء و صباحا، و إليه حكم هذه المدينة، و لا والي بها سواه و لا مغرم فيها للسلطان و لا لغيره. و كان النقيب في عهد دخولي إليها نظام الدين حسين بن تاج الدين الآوي نسبة إلى بلدة آوة من عراق العجم أهلها رافضة، و كان قبله جماعة يلي كلّ واحد منهم بعد صاحبه، منهم: جلال الدين بن الفقيه، و منهم قوام الدين بن طاووس، و منهم ناصر الدين مطهر بن الشريف الصالح شمس الدين محمد الأوهري من عراق العجم و هو الآن بأرض الهند من ندماء ملكها، و منهم أبو غرة بن سالم بن مهنّا بن جمّاز بن شيحة الحسيني المدني، كان الشريف أبو غرة قد غلب عليه في أوّل أمره العبادة و تعلّم العلم و اشتهر بذلك، و كان بالمدينة الشريفة كرّمها اللّه في جوار ابن عمّه منصور
[١] المكس: الضريبة يأخذها المكاس ممّن يدخل البلد من التجّار. (القاموس الفقهي: ٣٣٨)