تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٤٠٦ - ظهور فتنة الشمرت و الزقرت
كان ابتلاؤه عندهم جنّة فيها يتنعّمون، و حللا فيها يتخيّرون، و عوّضهم من ذلك فراديس الجنان، و حسان الحور و الولدان، كما نطقت بذلك الكتب السماوية، و أتت به الرسل الإلهية، و ها أنا قد سلك اللّه بي مسالك الأولياء فغذّاني ليلا و نهارا بالأذى و البلاء حتى أنّي قد استحلت أذية، و قد علمت بذلك كافة البرية، إلاّ من لعلّه شذّ منهم، و لكنّني تلقّيته بالصبر الجميل و الشكر الجزيل. أحمده على جزيل نعمائه، و أشكره على عظيم بلائه، و لا ريب عند كلّ عاقل أنّ هذا شأنه مع من أحبّهم و ارتضاهم، و هذا صنيعه بمن وفّقهم و هداهم، ألا ترى محنه كيف خصّت أنبياؤه، و بلاياه قد انغمرت بها أصفياؤه. من محبّ غرق في بحر الهموم، و تلاطمت عليه أمواج الغموم، و دارت عليه الدوائر من كلّ جانب، و نفر عنه الأقارب و الأباعد و الأجانب، بل من محبّ تعاقدت عليه الأصحاب، و تواطأت على قتله و إخراجه المشتغلون و الطلاّب، فجرّدوا عليه سيف غدرهم، و أوتروا ضدّه قوس شرّهم و مكرهم، فحفروا له حفرة عميقة، و عقدوا له عقدة وثيقة، فعصمه اللّه من سهامهم، و وقاه اللّه من حسامهم، و كانت نجاتي منهم على يد الأشراف و الأحرار و الأخيار و الأمجاد و الأنجاد من أهل مصرنا من صلحاء و أتقياء عصرنا، و منهم الأكارم و الأعاظم: الحاج علي رضا، و الحاج حسين بن بقر الشام، و شاذ من الأماجد العظام، فلولاهم لأحرقتني نيرانهم، و لوثب عليّ ثعبانهم، و خرّقني حسامهم، و مزّقتني سهامهم، و اختطفتني مخالبهم. و لكن أخبرك أيّها الأخ الوفي و المخلص الصفي، أنّ صلحاء إخواني و أتقياء خلاّني قد عدلوا بي عن النهج القويم، و زاغوا بي عن الصراط المستقيم، و لا غرو في ذلك في أسوة بأبي ذر، و قدوة بيونس بن عبد الرحمان، و أحمد بن خالد البرقي من وجوه أصحابنا حيث أنّهم نفوا عن بلدانهم و أخرجوا من أوطانهم، و لكنّهم رموني بأسهم صايبة، و شهب ثاقبة، فمنهم من يقول: هذا رجل فاسق، و منهم من يقول: هذا منافق، و منهم من يقول: هذا عبد آبق عصى سيّده