تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١٥ - سنة ١٤ هـ-٦٣٥ م وقعة القادسيّة
و لمّا نزل رستم النجف بعث منها عينا إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسية كبعض من ندّ منهم، فرآهم يستاكون عند كلّ صباح ثمّ يصلّون فيفترقون إلى مواقفهم، فرجع فأخبره بخبرهم و سيرتهم حتى سأله: ما طعامهم؟. فقال: مكثت فيهم ليلة، لا و اللّه ما رأيت أحدا منهم يأكل شيئا أن يمصّوا عيدانا لهم حتى يمسون، و حين ينامون، و قبيل الصبح. [١]
قال: و قال سعد بن أبي وقّاص لقيس بن هبيرة الأسدي: اخرج يا عاقل فإنّه ليس وراءك من الدنيا شيء تحنو عليه حتى تأتيني بعلم القوم فخرج و سرّح عمرو بن معديكرب و طليحة، فلمّا حاذى القنطرة لم يسر إلاّ يسيرا حتى لحق، فانتهى إلى خيل عظيمة منهم بحيالها ترد عن عسكرهم، فإذا رستم قد ارتحل من النجف فنزل منزل ذي الحاجب، فارتحل الجالنوس فنزل ذو الحاجب منزله، و الجالنوس يريد طيزناباذ [٢] فنزل بها و قدم تلك الخيل و أن ما حمل سعدا على إرسال عمرو و طليحة معه لمقالة بلغته عن عمرو و كلمة قالها لقيس بن هبيرة قبل هذه المرّة، فقال: قاتلوا عدوّكم يا معشر المسلمين، فأنشب القتال و طاردهم ساعة. ثمّ إنّ قيسا حمل عليهم فكانت هزيمتهم فأصاب منهم اثني عشر رجلا و ثلاثة أسراء و أصاب أسلابا فأتوا بالغنيمة سعدا و أخبروه الخبر، فقال: هذه بشرى إن شاء اللّه إذا لقيتم جمعهم الأعظم وحدهم فلهم أمثالها، و دعا عمرا و طليحة، فقال: كيف رأيتما قيسا: فقال طليحة:
رأيناه أكمانا، و قال عمر: و الأمير أعلم بالرجال منّا، قال سعد: إن اللّه تعالى أحيانا بالإسلام، و أحيا به قلوبا كانت ميتة، و أمات به قلوبا كانت حيّة، و إنّي أحذركما أن
[١] تاريخ الطبري: ٣/٤٥.
[٢] طيزناباذ (طعيريزات) : مدينة قديمة في أرض النجف، مؤسّسها الظّيزن أحد ملوك العرب، فهي تنسب إليه، و قد تقدّم الكلام عنها مفصّلا في الجزء الأول.