تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١١٨ - هجرته
الزعامة، و أصبح علما للشيعة و منارا للشريعة، و كانت داره في الكرخ مأوى الأمّة، و مقصد الوفّاد، يأتونها لحلّ المشاكل و إيضاح المسائل. و قد تقاطر إليه العلماء و الفضلاء للتلمذة عليه و الحضور تحت منبره و قصدوه من كلّ بلد و مكان، و بلغت عدّة تلاميذه ثلاثمئة من مجتهدي الشيعة، و من العامة ما لا يحصى كثرة. و قد اعترف كلّ فرد من هؤلاء بعظمته و نبوغه، و كبرت شخصيته و تقدّمه على من سواه، و بلغ الأمر من الإعتناء به و الإكبار له أن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر اللّه-عبد اللّه-ابن القادر باللّه-أحمد-كرسي الكلام و الإفادة، و قد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة و قدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلاّ لمن برز في علومه، و تفوّق على أقرانه، و لم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا أو يفضل عليه علما فكان هو المتعيّن لذلك الشرف.
هجرته
لم يفتأ شيخ الطائفة إمام عصره و عزيز مصره، حتى ثارت القلاقل و حدثت الفتن بين الشيعة و السنة، و لم تزل تنجم و تخبو بين الفينة و الأخرى، حتى اتسع نطاقها بأمر طغرل بك أول ملوك السلجوقية، فإنّه ورد بغداد في سنة ٤٤٧ هـ، و شنّ على الشيعة حملة شعواء، و أمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي، و كانت من دور العلم المهمّة في بغداد، بناها هذا الوزير الجليل و الأديب الفاضل في محلّة"بين السورين"في الكرخ سنة ٣٨١ هـ على مثال"بيت الحكمة"الذي بناه هارون الرشيد، و كانت مهمّة للغاية فقد جمع فيها هذا الوزير ما تفرّق من كتب فارس و العراق، و استكتب تآليف أهل الهند و الصين و الروم، و نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار و مهام الأسفار، و أكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلّفين.
قال ياقوت الحموي: و بها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور ابن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة و لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها،