تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٣٨٧ - سنة ١٢١٨ هـ-١٨٠٣ م الغزو الوهابي للنجف
إلى هذه الجهات، فأغار فارس بمجموعته نحوهم يقصد الظفر بهم، فلم يروا أثرا لهم، و قضوا ليلتهم قرب قصر الأخيضر فوق شفاثا، و بينما هم في استطلاع الأخبار، إذ جاءت الأنباء بأنّهم وصلوا إلى غربي النجف إلى القطقطانة (الحياضية) فقاموا من ساعتهم فأغاروا عليهم، و لم يصلوا إلاّ وقت المغرب فوجدوا أثرا و لكنّهم لم يعثروا عليهم فإنّ الغزاة هربوا و اختفوا عن الأنظار. [١]
و على أثر هجوم الأعراب على النجف الأشرف و الاضطرابات التي حلّت بها، طلب الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء من أهل العلم في النجف أن يحملوا السلاح و يتمرّنوا على تدريب الحرب و القتال لمواجة الغارات التي كان يشنّها سعود على النجف الأشرف بين حين و آخر للإستيلاء عليها كما فعل في كربلاء عام ١٢١٦ هـ، فقد حفّز هذا الخطر المحدق بالنجف الشيخ الأكبر كاشف الغطاء أن يعتبر نفسه المسؤول الأول عن حفظ النجف و الدفاع عنها، فانتخب جماعة من الشباب الأقوياء الجريئين و سلّحهم و أجرى لهم رواتب، فأقدموا على تدرّب الطرق العسكرية من هجوم و دفاع، فأصبحت عند الشيخ قوّة مدافعة، مضافا إلى قوى رجال العلم الذين اختاروا الدفاع و مقابلة كلّ عدوّ يحاول الهجوم بدافع العقيدة، و بذلك أصبح الشيخ كاشف الغطاء-بالإضافة إلى زعامته الدينية-زعيما دنيويا لا يختلف في أمره أحد.
و كان من أوائل الرجال الذين رتّب لهم الرواتب جماعة من الشجعان منهم: سوّاد العكايشي-جدّ فخذ من الأسرة العكايشية المعروفة بآل سوّاد اليوم-و عباس الحدّاد- جدّ الأسرة المعروفة بالحداحدة-و غيرهم، فكانوا يذهبون خارج مدينة النجف متظاهرين بصيد الطيور و الضباء، و في خلال تصيّدهم كانوا يصطادون الغزاة من الأعراب الذين يقصدون النهب و السلب و التخريب، و قد قتلوا على هذه الطريقة خلقا كثيرا، و قسم منهم كان يؤتى بهم مكتوفا إلى الشيخ لاستنطاقه و معرفة رأيه، حتى
[١] تاريخ العراق بين احتلالين: ٦/١٥٩.