تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١٢٠ - مؤلّفاته
تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيّد شيخ الطائفة ركنها الأساسي و وضع حجرها الأول، و قد تخرّج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلّفة من أساطين الدين و أعاظم الفقهاء و كبار الفلاسفة و نوابغ المتكلّمين، و أفاضل المفسرين و أجلاء اللغويين، و غيرهم ممّن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها و برعوا فيها أيّما براعة، و ليس أدلّ على ذلك من آثارهم المهمّة التي هي في طليعة التراث الإسلامي. و لم تزل زاهية حتى هذا اليوم، يرتحل إليها روّاد العلوم و المعارف من سائر الأقطار و القارّات فيرتوون من مناهلها العذبة و عيونها الصافية.
مؤلّفاته
إن في مؤلفات شيخ الطائفة ميزة خاصة لا توجد فيما عداها من مؤلّفات السلف، و ذلك لأنّها المنبع الأول و المصدر الوحيد لمعظم مؤلّفي القرون الوسطى، حيث استقوا منها مادّتهم و كوّنوا كتبهم، و لأنّها حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة و أصول الأصحاب، فقد مرّ عليك عند ذكر هجرة الشيخ إلى النجف الأشرف أنّ مكتبة سابور في الكرخ كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة التي هي بخطوط مؤلّفيها أو بلاغاتهم، و قد صارت كافة تلك الكتب طعمة للنار كما ذكرناه، و لم نفقد بذلك-و الحمد للّه-سوى أعيانها الشخصية، و أما محتوياتها و موادّها الأصلية فهي باقية على حالها دون زيادة حرف و لا نقيصة حرف، لوجودها في المجاميع القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأصول قبل تاريخ إحراق المكتبة بسنين كثيرة، حيث ألّف جمع من أعاظم العلماء كتبا متنوعة، و استخرجوا جميع ما في كتبهم من تلك الأصول و غيرها ممّا كان في المكتبات الأخرى، و تلك الكتب التي ألّفت عن تلك الأصول موجودة بعينها حتى هذا اليوم، و أكثر أولئك استفادة من تلك المكتبة و غيرها شيخ الطائفة الطوسي لأنّها كانت تحت يده و في تصرفه، و هو زعيم الشيعة و مقدّمهم يومذاك، فلم يدع كتابا فيها إلاّ و عمد إلى مراجعته و استخراج ما يخص مواضيعه منه.