تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١١٩ - هجرته
كانت كلّها بخطوط الأئمة المعتبرة و أصولهم المحرّرة... و كان من جملتها مئة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير.
و حيث كان الوزير سابور من أهل الفضل و الأدب أخذ العلماء يهدون إليه مؤلّفاتهم فأصبحت مكتبة من أغنى دور الكتب ببغداد، و قد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال الكرخ عند مجيء طغرل بك، و توسّعت الفتنة حتى اتّجهت إلى شيخ الطائفة و أصحابه فأحرقوا كتبه و كرسيّه الذي كان يجلس عليه للكلام.
قال ابن الجوزي في حوادث سنة ٤٤٨ هـ: و هرب أبو جعفر الطوسي و نهبت داره.
ثمّ قال في حوادث سنة ٤٤٩ هـ: و في صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلّم الشيعة بالكرخ و أخذ ما وجد من دفاتره و كرسي كان يجلس عليه للكلام، و أخرج إلى الكرخ و أضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوّار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع.
و لمّا رأى الشيخ الخطر محدقا به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف لائذا بجوار مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام، و صيّرها مركزا للعلم و جامعة كبرى للشيعة الإمامية، و عاصمة للدين الإسلامي و المذهب الجعفري، و أخذت تشدّ إليها الرحال و تعلّق بها الآمال، و أصبحت مهبط رجال العلم و مهوى أفئدتهم، و قام فيها بناء صرح الإسلام، و كان الفضل في ذلك لشيخ الطائفة نفسه فقد بثّ في أعلام حوزته الروح العلمية، و غرس في قلوبهم بذور المعارف الآلهية، فحسروا للعلم عن سواعدهم و وصلوا فيه ليلهم بنهارهم عاكفين على دروسهم خائضين عباب العلم غائصين على أسراره موغلين في استبطان دخائله و استخراج مخبآته، و كيف لا يكونون كذلك و قد شرح اللّه للعلم و العمل صدورهم، و صقل أذهانهم و أرهف طباعهم فحموا و طيس العلم، و بان فضل النجف على ما سواها من المعاهد العلمية، و خلفوا الذكر الجميل على مرّ الدهور و الأعصار، أعلى اللّه في الفردوس درجاتهم. ـ