تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٤١ - سنة ٦٥ هـ-٦٨٤ م خروج التوّابين
كتب إلى الحسين يسأله القدوم إلى الكوفة فلمّا قدمها ترك القتال معه، فلمّا قتل قدم سليمان هو و المسيّب بن نجبة الفزاري و جميع من خذله و قالوا ما لنا توبة إلاّ أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه، فعسكروا بالنّخيلة و ولّوا سليمان أمرهم.
أقام سليمان بن صرد بالنخيلة ثلاثا يبعث ثقاته من أصحابه إلى من تخلّف عنه يذكّرهم اللّه و ما أعطوه من أنفسهم، فخرج إليه نحو من ألف رجل، فقام المسيب بن نجبة إلى سليمان بن صرد، فقال: رحمك اللّه إنّه لا ينفعك الكاره، و لا يقاتل معك إلاّ من أخرجته النيّة، فلا ننتظرن أحدا و اكمش في أمرك، قال: فإنّك و اللّه لنعم ما رأيت، فقام سليمان بن صرد في الناس متوكّئا على قوس له عربيّة، فقال:
أيّها الناس، من كان إنّما أخرجته إرادة وجه اللّه و ثواب الآخرة فذلك منّا و نحن منه فرحمة اللّه عليه حيّا و ميّتا، و من كان إنّما يريد الدنيا و حرثها فو اللّه ما نأتي فيئا نستفيئه و لا غنيمة نغنمها ما خلا رضوان اللّه ربّ العالمين، و ما معنا من ذهب و لا فضّة و لا خزّ و لا حرير، و ما هو إلاّ سيوفنا في عواتقنا و رماحنا في أكفّنا، و زاد قدر البلغة إلى لقاء عدوّنا، فمن كان غير هذا ينوي فلا يصحبنا.
ثمّ إنّ سليمان بن صرد قام في الناس خطيبا، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثمّ قال:
أمّا بعد، أيّها الناس فإنّ اللّه قد علم ما تنوون و ما خرجتم تطلبون، و إنّ للدنيا تجّارا و للآخرة تجّارا، فأمّا تاجر الآخرة فساع إليها متنصب بتطلابها لا يشتري بها ثمنا لا يرى إلاّ قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا لا يطلب ذهبا و لا فضّة و لا دنيا و لا لذّة، و أمّا تاجر الدنيا فمكبّ عليها راتع فيها لا يبتغي بها بدلا، فعليكم يرحمكم اللّه في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل و بذكر اللّه كثيرا على كلّ حال، و تقرّبوا إلى اللّه جلّ ذكره بكلّ خير قدرتم عليه حتى تلقوا هذا العدوّ و المحلّ القاسط فتجاهدوه، فإنّكم لن تتوسّلوا إلى ربّكم بشيء هو أعظم عنده ثوابا من الجهاد و الصلاة، فإنّ الجهاد سنام العمل جعلنا اللّه و إيّاكم من العباد الصالحين المجاهدين الصابرين على اللأواء، و إنّا مدلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء اللّه فادلجوا، فأدلج عشية الجمعة لخمس مضين