تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٤٧٠ - حوادث الشمرت و الزقرت
و قد بذل العلماء الأعلام لفدائهم مالا كثيرا. و حدّث البعض إنّهم بذلوا لكلّ رجل مئة شامي، فلم يقبل الملاّ أن يفكّهم.
قيل: و تردّد الملاّ في قتلهم بادئ الأمر، و استشار صاحبه حمّادي الشمرتي-و كان من أشدّ الناس على هؤلاء النفر-فأجابه بكلمته: "قص رأس ميّت خبر". و كان مجلسه حاشدا لا يتكلّمون إلاّ في شأن هؤلاء المساجين و إطلاقهم.
ثمّ قال شيخنا رحمه اللّه: و سمعت موثوقا إنّ بعض الأدباء من آل... [١] كان حاضرا و أخذ يقرأ للملاّ القصيدة الغسّانية ليوغر صدره، ثمّ إنّ الملاّ يوسف صغى إلى تلاوة الغسّانية فلمّا وصل الأديب إلى قوله:
و العفو إلاّ عن الأعداء مكرمة # من قال غير الذي قد قلته كذبا
قتلت عمرا و تستبقي يزيد لقد # رأيت رأيا يجرّ الويل و الحربا
لا تقطعنّ ذنب الأفعى و تتركها # إن كنت شهما فاتبع رأسها الذنبا
هم جرّدوا السيف فاجعلهم له جزرا # و أضرموا النار فاجعلهم لها حطبا
فعند ذلك أخذ الملاّ يوسف حاكم النجف يهزّ يرأسه طويلا و هو يقول: صدق القائل. و لمّا كملت تلاوة الغسّانية عليه أخذت مأخذها منه و اشتدّ غضبه عليهم، فندب قصّابا اسمه"علاّوي جفطة"و كان من أتباعه، فقال له: أدخل هذا السرداب و اذبح الأغنام كلّها، فأخذ السكّين و نزل إلى السرداب فرآهم فرسان النجف مكتوفين بأوثق كتاف، فرمى السكّين من يده و ولّى هاربا من كيد الملاّ.
ثمّ إنّ الملاّ يوسف ندب عبده محبوب و أمره أن ينزل إليهم و يذبحهم مكتوفين، ففعل، فأوجب سخط العلماء و رجال العلم و الدين و كلّ من يبغضه، فتضعضع أمره، و كان يوم ذبحهم يوما عظيما في النجف، و نشبت الحرب بين الفريقين الزقرت و الشمرت.
و حدّثني بعض مشايخ الغري: بأنّ سبب إصرار الملاّ يوسف على قتل هؤلاء النفر
[١] كذا فراغ في الأصل.