مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٩٧
فالناس كلهم نيام في هذا العالم فإذا ماتوا و انتبهوا انكشف لهم عند الانتباه بالموت حقائق ما سمعوه بالأمثلة و أرواحها و يعلمون أن تلك الأمثلة كانت قشورا و قوالب لتلك الأرواح و يعاينون صدق آيات القرآن و الأحاديث النبوية كما تيقن ذلك المؤذن صدق قول ابن سيرين و صحة تعبيره للرؤيا فكل ما يراه الإنسان في هذا العالم من قبيل الرؤيا و يتصل كل أحد بعد الموت إلى تعبير رؤياه و حينئذ يقول الجاهل و الغافل يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا [١] أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [٢] يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [٣] يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا [٤] يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [٥] إلى غير ذلك من الآيات المتعلقة بشرح أحوال المعاد فافهم و تحقق أنك لما كنت نائما في هذه الحياة الدنيا و إنما يقظتك بعد الموت و عند ذلك تصير بصيرا و أهلا لمشاهدة صريح الحق كفاحا [٦] و قبل ذلك فلا يحتمل درك الحقائق إلا مصبوبة في قوالب الأمثال الخيالية ثم بجمود فطرتك عند الحس تظن أن لا معنى له إلا هذا المتخيل و تغفل عن الحقيقة و الستر كما تغفل عن روح قلبك و لا تدرك منه إلا صورة قالبك وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [٧] هذا مع أن هذه التحقيقات و التأويلات في الرموز القرآنية و الكنوز الرحمانية إشارة وجيزة من بسيط تمثيلات حجة الإسلام و خلاصة مجملة من وسيط منخولات [٨] ذا الحبر الهمام محصلة لنجاة النفوس و شفاء الأرواح ملخصة لطريق الهداية و الفلاح إذ هو أيده الله بحر زاخر يقتض من أصدافه جواهر القرآن و نار موقدة يقتبس من مشكاته أنوار البيان ذهنه الوقاد كبريت أحمر يتخذ منه كيمياء السعادة الكبرى و فكره غواص يستنبط من بحار المباني لآلئ المعاني فهمه صراف محك دنانير العلوم على معيار العلوم عقله ميزان يزن مثاقيل البرهان القويم على منهج الصراط
[١] . الأحزاب ٦٦
[٢] . الأعراف ٥٣
[٣] . الفرقان ٢٧
[٤] . الفرقان ٢٨
[٥] . الزمر ٥٦
[٦] . أي مواجهة من غير حجاب
[٧] . العنكبوت ٤٣
[٨] . أي مصفاة و أخذ أفضلها