مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٥
العناية الأحدية بخطاب ارجعي كما قال تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [١] فيجيب دعوة الله موتا اختياريا و منهم من يساق إلى الموت جبرا و قهرا بواسطة سدنة الجسم و ملائكة هذا العالم و إليه الإشارة بقوله وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ [٢] و أما عند المصير إليه فبعضهم فرحون بلقاء الله و بعضهم نواكس الرءوس عن أعلى عليين إلى أسفل السافلين و لذلك قال وَ لَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [٣] فظهر أنهم و إن كانوا عند ربهم إلا أنهم منكوسون منحوسون قد انقلبت وجوههم إلى أقفيتهم نعوذ بالله من الضلال و الهبوط في مهاوي الجهال.
القسم الثالث تعريف الحال عند ميعاد الوصال و القرآن يشتمل على الروح و اللذة و النعيم الذي يلقاه الواصلون المطيعون و العبارة الجامعة لأنواع روحها و ريحانها و نعيمها و سرورها الجنة و أعلاها لذة النظر إلى وجه الله و كذا يشتمل على ذكر الخزي و العذاب و البعد الذي يلقاه المحجوبون بإهمال السلوك طوعا و رغبة و العبارة الجامعة لأصناف آلامها الجحيم و أشدها ألما ألم الحجاب و الإبعاد فلذلك قدمه تعالى في قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ [٤] و يشتمل القرآن أيضا على ذكر مقامات الفريقين و حالاتهما و عنها يعبر بالحشر و النشر و الحساب و الميزان و الكتاب و الصراط و الموقف و السور و الحوض و الكثيب الأبيض و لها ظواهر تجري مجرى الغذاء لعموم الخلق و لها أسرار غامضة لا يطلع عليها إلا أهل الله خاصة و الفلاسفة و أرباب العقول النظرية لمعزولون عن إدراك أمور الآخرة و ليس للظاهرين من علماء الإسلام و أهل الاجتهاد إلا مجرد التصديق مجملا و الإذعان بكل
[١] . الفجر ٢٧ و ٢٨
[٢] . الأنعام ٩٤
[٣] . السجدة ١٢
[٤] . المطففين ١٥