مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٩
و قال في حق عالم الأجرام تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [١] و انظر إلى دقيقة مرعية في إعجاز الوحي الإلهي و هي أن الملكوت لما كان أشرف من الملك فلا جرم ذكر الأول بلفظ سبحان و الثاني بلفظ تبارك لأن كلمة التسبيح تنزيه و تقديس عما لا ينبغي و إجلال و إعظام كما ينبغي و أما صيغة التبرك فمأخوذ من البركة و هو الخير الكثير و لا شك أن وجود الأجرام بعد العقول و النفوس التي حصل فيها التمام و الاكتفاء من الخير الكثير و مزيد الإفاضة و الملك جميع عالم الأجسام و هي قشور عالم الأرواح الذي هو الملكوت الأعلى و الأسفل أعني العقول و النفوس و بيده جميعها و هذه يد الله الخاصة به لكونها بمعنى صفة قدرته و هي فوق أيدي العقول و النفوس لقوله يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [٢] و بعدها يدان مبسوطتان بالإنفاق و بعدهما في الوجود الأيدي العمالة بإذن الله من القوى النفسانية المشار إليها في قوله مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً [٣] و يده تعالى يتقدس عن أن يكون جوارح جسمانية و كذا قلمه و لوحه و كتابه بل ما يليق بذاته و صفاته و يداه المبسوطتان هما العقل و النفس و كلتا يدي الرحمن يمين لأنهما من ناحية القدرة الإلهية و القوة الواجبة و لذلك قال وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [٤].
و أما أهل الشمال فهم في ناحية الأجسام و الجسمانيات التي فيها ضعف الوجود و نقصه إلا أن العقل أقوى من النفس كما أن الروح النافذ في اليد أقوى من جوهره المتحرك و إياك و أن تنحط و تهوي في مكان سحيق من مقام التشبيه أو أن تنحصر و تحبس أيضا في مكان ضيق من مقام التعطيل حتى لا تعتقد في حقه تعالى هذه الأشياء التي نطق بها القرآن و الخبر فكلا طرفي الإفراط ذميم فعليك بسلوك الصراط المستقيم حتى لا تسبقك غال و لا يلحقك مقصر و لو فتحت بصيرتك إلى مطالعة كتاب الصورة الإنسانية المخلوقة على صورة الرحمن لشاهدت هذه الكرامات الإلهية في نسخة وجوده فإن يده الباسطة إلى عالم الجود الإلهي روحانية كما كان
[١] . ملك ١
[٢] . فتح ١٠
[٣] . يس ٧١
[٤] . زمر ٦٧