مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤
عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [١]
المشهد الثالث في الإشارة إلى أقسام الأغذية المعنوية التي لبواطن الأقوام بحسب غرائزهم و طبائع عقولهم في الاغتذاء بها و التقوى عند الانهضام بالانضمام ليعلم بها أحوال الموازين
قال الله عز و جل مخاطبا لنبيه المنذر لكافة البشر ص ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [٢] اعلم أن هذه الدعوة دعوة إلى القرآن لأنه بمنزلة مائدة نازلة من السماء إلى الأرض لأنها نازلة بألوان ما فيها من الأطعمة من سماء عالم العقول إلى أرض النفوس التي فيها غرس أشجار الآخرة و فيها لكل صنف من أصناف الخلق رزق معلوم و نصيب مقسوم كما مرت الإشارة إليه ففيها لأهل الخصوص أغذية لطيفة و فواكه غير مقطوعة و لا ممنوعة فالحكمة و البرهان لقوم و الموعظة و الخطابة لقوم و يوجد لغيرهما أيضا أغذية متوسطة في اللطافة و الكثافة على حسب مرامهم و مقامهم إلى أن ينتهي الأغذية في الثقالة و السفالة إلى حد القشور و النخالة و هي للعوام الذين درجتهم درجة البهائم و الأنعام كما قال الله تعالى مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ [٣] فأغذيتهم كأغذية الدواب و الأغنام فإن الغذاء من جنس المتغذي بالفعل و من نوعه بالقوة فتعليم القرآن و الدعوة بالآيات لكل قوم ينبغي أن يكون بما يناسبهم و يلائم أذواقهم و يوافق أمزجة قرائحهم و مشارب أرواحهم فالمدعو إلى الله بالحكمة قوم و بالموعظة قوم و بالمجادلة قوم فالحكمة إن غذي بها أهل الموعظة أضرت بهم كما يضر بالطفل الرضيع التغذية بلحم الطير و المجادلة إن استعملت مع أهل الحكمة اشمأزوا عنها كما يشمئز طبع الرجل القوي من الارتضاع بلبن الآدمي و الجدل إن استعمل مع أهل الجدال لا بطريق الأحسن كما يستفاد من هذه الآية لا ينفعهم و كان كمن
[١] . آل عمران ١٧٠
[٢] . النحل ١٢٥
[٣] . النازعات ٣٣