مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٥٢
لا يمكن أن يبرز فعلها بنفسها بلا مشاركة هذا الهيكل الحامل فإن قوامها بذاتها محال إذ لو بقيت بعده و ليس لها فعل يخصها لكان بقاؤها بنفسها عبثا و لغوا و الوضع الحكمي لا يسوق الشيء إلى العبث.
حكمة مشرقية هذا الاضطراب و الاختلاف في كلام الفلاسفة إنما نشأ من الجهل بمقامات النفس و نشأتها فوقعوا في إشكال عظيم غير منحل لهم حتى ارتكبوا القول بدثور جميع النفوس الإنسانية بعد دثور البدن إلا قليلة ندرة كنفوس العرفاء خاصة و أبطلوا المعاد للناقصين و العوام بل المتوسطين أيضا و هذا قول شنيع يناقض البرهان و يخالف الشريعة الحقة الإلهية القائلة بإعادة الكل الناصة بحشر الجميع كما في قوله تعالى وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً [١] و قوله وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [٢] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة و الأخبار و يخالف أيضا كثيرا من قواعدهم العقلية الحكمية مثل إثبات الغايات لكل حقيقة نوعية فلو لم يكن النفوس الإنسانية محشورة لكان وجودها عبثا و ضائعا لأن تدبير البدن و حفظ المزاج و غير ذلك إنما يكون من التوابع الضرورية لوجود النفس لا من غاياتها الذاتية كما حقق في مقامه و جمهور الحكماء لما لم يتفطنوا بنشأة أخروية غير النشأة العقلية اضطروا إلى هذه الأقوال فتارة قالوا بفساد النفوس و اضمحلالها عند فساد البدن و تارة قالوا بتناسخ الأرواح السافلة و المتوسطة.
أما السافلة فإلى الأكوان العنصرية من إنسان آخر أو حيوان أو نبات أو جماد و ذلك هو المسخ و النسخ و الفسخ و الرسخ.
و أما المتوسطة فإلى عالم الأفلاك فتارة قالوا بصيرورة بعض الأجرام الفلكية موضوعا لتخيلات نفوس الصلحاء و الزهاد من غير أن يصير متصرفة فيه و بعض الأجرام الدخانية التي تحت فلك القمر موضوعا لتخيل النفوس الشقية و استحسن أبو علي و غيره هذا القول و التجئوا به اضطرارا و نسبه إلى من لا يجازف في الكلام مشيرا إلى أبي نصر الفارابي و نحن قد أقمنا البرهان
[١] . أنعام ٢٢
[٢] . كهف ٤٧