مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٩١
و قد أنطق الله لسانه بالحق و لعله لا يطلع على سر ما يقوله فإن لم تفهم معاني القرآن كذلك فليس لك نصيب من القرآن إلا في قشوره كما ليس للبهيمة نصيب من الحنطة إلا في تبنها و قشورها و كما ليس للأعمى من الشمس نصيب فوق تسخن حدقته من نورها. فنقول هذا التنين المشار إليه موجود في الواقع إلا أنه ليس خارجا عن ذات الميت الكافر بل كان معه قبل موته لكنه لم يكن يحس به قبل كشف الغطاء عن بصره و حسه بالموت لخدر كان في حسه الباطن لغلبة الشهوات و كثرة الشواغل الظاهرة فأحس بلدغه بعد موته و كشف غطاء حياته الطبيعية بقدر عدد أخلاقه الذميمة و شهواتها لمتاع الدنيا و أصل هذا التنين حب الدنيا و يتشعب عنه رءوس بعدد ما يتشعب الملكات عن حب الدنيا من الحسد و الحقد و البغض و النفاق و المكر و الخداع و الكبر و الرياء و غير ذلك من الأخلاق الذميمة فكما أن لكل خلق صورة طبيعية في هذا العالم كما يشاهد في الحيوانات فكذلك لكل ملكة نفسانية صورة أخروية في عالم الآخرة و دار الحيوان و أصل ذلك التنين معلوم لذوي البصائر و كذا كثرة رءوسه و أما انحصار عدده في تسعة و تسعين فإنما يقع الاطلاع منهم له بنور اتباع النبوة فهذا التنين متمكن من صميم فؤاد الكافر المنكر للدين لا لمجرد جهله بالله و كفره بل لما يدعو إليه الكفر و الجهل كما قال ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ [١] فكلما يدعو إليه الجهل بالله و ملكوته من محبة الأمور الباطلة الزائلة فهو بالحقيقة تنين يلدغه و يلسعه في أولاه و أخراه سواء كان مع صورة مخصوصة كما في عالم القبر بعد الموت أو لم يكن كما في عالم الدنيا قبل الموت و عند عدم تمثل هذا الأمر اللداغ اللساع على صورة تناسبه لا يعوزه شيء من حقيقة التنين و معنى لفظه بالحقيقة إذ اللفظ موضوع للمعنى المطلق الشامل للعقلي و الحسي جميعا و خصوصيات الصور لخصوصيات النشأة خارجة عما وضع له اللفظ و إن كان اعتياد الناس بمشاهدة بعض الخصوصيات يحملهم على الاقتصار عليه و الاحتجاب عن
[١] . النحل ١٠٧