مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٣٨
بالعلم و نتيجة للعلم أيضا كما قال أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [١] فالعلم هو الأول و الآخر و لا بد منه على كل حال فلا بد للنفس أن تكون متمكنة من تحصيل هذه المعارف و العلوم فأعطى الحق لنا من الحواس ما أعاننا على تحصيل هذا الغرض فقال في السمع وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [٢] و قال في البصر سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ [٣] و قال في الفكر وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [٤] فإذا توافقت هذه القوى و الآلات صار الروح الجاهل عالما و هو معنى قوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [٥] فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو الذهن.
الرابع عشر الفكر و هو انتقال النفس إلى المعلومات التصديقية و التصورية من معلوماتها المستحضرة فيها و تخصيص جريان الفكر في باب التصديقات دون التصورات كما فعله الإمام الرازي مما لا وجه له و قد أجبنا عن الشبهة التي أصر عليها في جميع كتبه بما لا يبقى معه ريب و لا شك.
و في بعض كتب الشيخ أبي علي سينا أن الفكر في استنزال العلوم من عند الله يجري مجرى التضرع في استنزال النعم و الحاجات من عنده و قال أيضا في بعض رسائله القوة العقلية إذا اشتاقت إلى شيء من الصور العقلية تضرعت بالطبع إلى المبدإ الواهب فإن ساحت [٦] عليها على سبيل الحدس كفت المئونة و إلا فزعت إلى حركات من قوى أخرى من شأنها أن يعدها لقبول الفيض لمشاكلة بين النفس و بين شيء من الصور التي في عالم الفيض فيحصل له بالاضطرابات ما لم يكن يحصل له بالحدس و القوة الفكرية كما في قوله تعالى وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [٧] الآية.
الخامس عشر الحدس و لا شك أن الفكر لا يتم عمله إلا بوجدان شيء متوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة و كذا ما يجري مجراه في باب الحدود للتصور لما تقرر أن الحد و البرهان متشاركان في
[١] . طه ١٤
[٢] . البلد ١٠
[٣] . فصلت ٥٣
[٤] . الذاريات ٢١
[٥] . الرحمن ١ و ٢
[٦] . أي جرت
[٧] . النساء ١١٣