مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٧٨
فصل قد مرت الإشارة سابقا إلى أن القلب الإنساني صالح بالفطرة الأولى لقبول الآثار الملكية و الشيطانية و أن التطارد بين جندي الملائكة و الشياطين قائم في معركة الباطن الإنساني إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيستمكن و يستوطن و يكون اجتياز الثاني اختلاسا.
فاعلم أن أكثر القلوب قد فتحها جنود الشيطان و ملكوها فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة و اطراح الآخرة و مبدأ استيلائها اتباع الهوى و لا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشياطين و هو الهوى و الشهوات و عمارته بذكر الله الذي هو مطرح أنوار الملائكة فالتطارد بين ذكر الله و وسوسة الشيطان كالتطارد بين النور و الظلام و بين الليل و النهار و لتطاردهما قال تعالى اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ [١] و كما أن الشهوات ممتزجة بلحم الآدمي و دمه فسلطنة الشيطان أيضا سارية في لحمه و دمه و محيطه بالقلب من جوانبه و لذلك
قال ص:
إن الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع
و ذلك لأن الجوع يكسر الشهوة و مجرى الشيطان الشهوات و لأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال تعالى إخبارا عن إبليس لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ [٢]
و قال رسول الله ص: إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال أ تسلم و تترك آباءك فعصاه و أسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال أ تهاجر فتدع أرضك و سماءك فعصاه و هاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال أ تجاهد و هو تلف النفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك و يقسم مالك فعصاه و جاهد قال رسول الله ص فمن فعل ذلك فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة
فقد ذكر رسول الله ص معنى الوسوسة و هي هذه الخواطر التي تخطر للمجاهد أنه يقتل و تنكح نساؤه و غير ذلك مما يصرفه عن الجهاد
[١] . المجادلة ١٩
[٢] . الأعراف ١٦ و ١٧