مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٢٩
فقد قال الجنيد الروح شيء استأثر الله بعلمه و لا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود و غرضه أنه موجود كسائر الإنيات العقلية التي هي فوق النفس و قال أبو يزيد البسطامي طلبت ذاتي في الكونين فما وجدتها أي ذاته فوق عالم الطبيعة و عالم المثال فيكون من المفارقات العقلية و قال أيضا انسلخت من جلدي فرأيت من أنا فسمى الهيكل قشرا و جلدا و هذا تصريح بأن هوية الإنسان شيء غير الجسد و قال ابن عطا خلق الله الأرواح قبل الأجساد لقوله تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْناكُمْ [١] يعني الأرواح ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [٢] يعني الأجساد و قال بعضهم الروح لطيف قائم في كثيف و في هذا نظر كما عرفت و له وجه صحيح أيضا و قال بعضهم الروح عبارة و القائم بالأشياء هو الحي [٣] و في هذا أيضا نظر إلا أن يحمل على معنى الإحياء فقد قال بعضهم إن الإحياء صفة المحيي كالتخليق صفة الخالق و قيل في قوله قل الروح من أمر ربي [٤] أمره كلامه فصار الحي حيا بقوله كن حيا فعلى هذا لا يكون الروح في الجسد.
ثم إن أهل الشريعة اختلفوا في الروح الذي سئل رسول الله عنه فمن الأقوال ما يدل على أن قائله يعتقد قدم الروح و منها ما يدل على أنه يعتقد حدوثه و أيضا قال قوم إن الروح و هو جبرئيل ع و هذا القائل يشبه قوله قول بعض قدماء الفلاسفة حيث رأى أن الجوهر النطقي من الإنسان يتحد بالعقل الفعال و يقرب منه
ما نقل عن أمير المؤمنين عليه تسليمات الله و تقديساته أنه قال: الروح ملك من ملائكة الله [٥] له سبعون ألف وجه و لكل وجه منه سبعون ألف لسان و لكل لسان منه سبعون ألف لغة يسبح الله بتلك اللغات كلها و يخلق من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة
و روي عن عبد الله بن عباس: إن الروح خلق من خلق الله
صورهم على صورة بني آدم و ما نزل من السماء ملك إلا و معه واحد من الروح و قال أبو صالح الروح كهيئة الإنسان و ليسوا بناس و قال مجاهد الروح على صورة بني آدم لهم أيد و أرجل و رءوس يأكلون الطعام و ليسوا
[١] . و ٤٣ أعراف ١١
[٢] . أعراف ١١
[٣] . الحق عوارف
[٤] . إسراء ٨٥
[٥] . ملك من الملائكة، عوارف