مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٢١
اعتبر عرف [١] كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره [٢] و إنما يتذكر أولوا الألباب [٣].
و أما علة إعراض الخلق عن أمر المعاد و معرفتهم لمرجع الخلائق و العباد فهي كثيرة و لكن أصولها و رؤساءها ثلاثة و هي رؤساء الشياطين و هي شوائب الطبيعة و وساوس العادة و نواميس الأمثلة.
أما الأولى فكدواعي الطبيعة من الشهوة و الغضب و توابعها و عوارضها من حب الجاه و المال و الأهل و الولد و النساء و الدرهم و الدينار و الملابس و المساكن و غير ذلك مما يجمعها حب الدنيا و لذلك قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا [٤] و هذه كلها مع زينتها و حسنها و رونقها في الدنيا عند الجهلة و العماة هي بعينها منشأ عذاب القبر حيث
قال ص: هل تدرون فيما ذا نزلت فإن له معيشة ضنكا [٥] قالوا الله و رسوله أعلم قال عذاب الكافر في قبره أن يسلط عليه تسعة و تسعون تنينا هل تدرون ما التنين تسعة و تسعون حية لكل حية تسعة رءوس ينهشونه و يلحسونه و ينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون
فانظر إلى هذا الحديث بعين البصيرة و اعلم أن هذا حق و صدق.
و على هذا الوجه مشهودة لأرباب البصائر ببصيرة هي أصح من البصر الظاهري و الجاهل بأحوال النشأة الآخرة ينكره و يجحده حيث يقول إني أنظر في قبره فلا أرى شيئا من تلك الحيات أصلا فليعلم الجاهل أن هذا التنين ليس خارجا عن ذات الميت أعني صميم قلبه و ذات باطنه و روحه المصورة في الآخرة بصورة أخلاقه و أعماله فإن الروح بالحقيقة هي التي تتألم و تتنعم بل كان معه قبل موته متمكنا من باطنه لكنه لم يكن يحس بهذه الحيات و رءوسها و مباديها و موادها و صورها و هيآتها لخدر كان معه و غشاوة غشيته و حجب حجبت بصيرته عن إدراكها لغلبة الشهوات فما أحس بلدغ هذا التنين و عدد هذه الحيات التي عددها بقدر عدد الأخلاق
[١] . عبر، أسرار الآيات
[٢] . المدثر ٥٥
[٣] . الرعد ١٩
[٤] . آل عمران ١٤
[٥] . طه ١٢٤