مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٤٤
أحدهما التعلم و الكسب و ثانيها الوهب و الجذبة و هو الإعلام الرباني أما التعلم فهو إما من خارج و إما من داخل أما الأول فطريق معهود بين الناس مسلوك محسوس و هو التعلم بحسب إلقاء الألفاظ المسموعة من الأستاذ البشري و الكتابة المنقوشة منه و أما الثاني و هو التعلم من الداخل فهو الاشتغال بالتفكر إذ التفكر في الباطن بمنزلة التعلم في الظاهر إلا أن التعلم استفادة الشخص الجزئي و التفكر هو استفادة النفس من النفس الكلية و هي أشد تأثيرا و أقوى تعليما من جميع العلماء و العقلاء و العلوم مركوزة في أصل النفس و سنخها بالقوة كالبذر في الأرض و كالصورة في المرآة قبل أن تذاب و تصيقل و التعليم إخراج ذلك الشيء الذي بالقوة إلى الفعل فالعالم بالإفادة كالزارع و نفس المتعلم كالأرض المزروعة و العلم بالقوة فيها كالبذر و النواة في الأرض يثمرها المعلم بسقي التعليمات المتتالية و إزالة أشواك الشكوك و تهذيبها عن نباتات الاعتقادات الردية المفسدة و إذ كملت نفس المتعلم يكون كالشجر المثمر أو كالمرآة المصقولة المحاذية شطر صورة المطلوب بعد خروجها عن حد القوة المحضة التي لها في أوان الطفولية كالحديد بعد أن تذوب و بعد تصقيلها عن رين المعاصي و الشبهات كالمرآة عند إزالة طبعها و رينها بالصقالة و بعد رفع حجب التقليد كالمرآة الخارج عن غلافها و بعد توجيه وجهها شطر الحق كالمرآة التي يحاذي بها نحو الصورة فإذا غلبت القوى البدنية على النفس بحسب دواعيها كالشهوة و الغضب و غيرها يحتاج المتعلم إلى زيادة المشقة و طول الكسب و كثرة التعلم فإذا غلب العقل على أوصاف الحس و دواعيه استغنى الطالب بقليل التفكر عن كثير التعلم و رب عالم تفكر ساعة منه خير من تعلم سنة من الجاهل فقد ظهر أن بعض الناس يحصلون العلوم بالتعلم و بعضهم بالتفكر و التعلم يحتاج إلى التفكر من غير عكس. و أما التعليم الرباني من غير واسطة فقد يحصل منه وراء هذه العلوم و هي علوم أخروية عمل بمقتضاها و ظفر بها علماء الآخرة المعرضون عن الدنيا و الزاهدون فيها و حرمها الله على علماء الدنيا الراغبون فيها