مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٤١
الموجودات الدالة على الصفات الدالة على الذات فالنظر إلى الأفعال الوجودية من جهة نقائصها و إمكاناتها و افتقاراتها نظر إلى الصانع الكامل المعطي الغني المغني فهذا يدل على أن النفوس حيثما كانت في صلب أبيها الشامخ العالي مشاهدة له تعالى بواسطة نقائصها المستدعية للصنع و التكميل كما نبهت الآية القائلة أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ [١] أي انظر إلى الذي مد الظل مع أنه سمى هذا الرائي رائيا إلى رب الظل و كذا قوله عز و جل خطابا للذرات المنبسطة من أصلاب أبيها المقدس الكائنة في ظهر والدها الأقدس أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [٢] و لو لم يكونوا شاهدين مشاهدين لجماله كيف اعترفوا بإلهيته و أقروا بربوبيته فضلا عن كونه ربا لهم و كونهم عبيدا له فإن في قوله بربكم ربوبيته [٣] مع إضافة مخصوصة لها إليهم. و في الآية دقيقة أخرى و هي أنه استفهم منها الإقرار منهم بربوبيته لا بوجوده تنبيها على أن الإقرار بوجوده مركوز في بداية العقول و أوائل فطر النفوس فدلت الآية على أن معرفة الصانع غريزية للعقول السليمة ضرورية للطباع المستقيمة فلهذا يجب القتل على من أنكر و جحد وجود الصانع في جميع الشرائع فإنه ينكر ضروريات الفطرة الأولية و كذا من جحد أصل الوجود كأهل السفسطة فيجب أن يقتل مع زيادة إيلام بالضرب و إحراق بالنار لئلا يقول الضرب و اللاضرب واحد و النار و اللانار واحد فمن أنكر مطلق الوجود فإنكاره موجود فدل على وجود موجود فهذا المنكر للوجود موجود لا محالة فما أبعد عن توهم إنكار المنكرين ما سلبه يؤدي إلى إثباته و ما إنكاره يوجب الإقرار به فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد [٤] فالآية دلت على أن النفس [٥] كانت مشاهدة للجمال المطلق في عالمها الذي هو بلدها الحرام و مدينة السلام و موطن أبيها الأصلي و مولد روحها القدسي فأما في هذا العالم الذي هو دار الغربة و وطن الفرقة و
[١] . الفرقان ٤٥
[٢] . الأعراف ١٧٢
[٣] . ربوبية، ن م ل
[٤] . ق ٢٢
[٥] . النفوس، ن ل