مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٩٦
تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [١] فلما تبين لي صحة ما ذكرت و عرفت صدق ما وصفت نظرت عند ذلك في أحوالي و تفكرت في تصاريف أموري فوجدت بنية هيكلي مركبة من أخلاط ممتزجة متضادة القوى مركوزة فيها شهوات مختلفة فتأملتها فإذا هي كأنها نيران كامنة في أحجار كبريتية و وجدت وقودها المشتهيات من ملاذ الدنيا و نعيمها و وجدت استعمال تلك النيران عند الوقود كأنها حريق لا يطفأ و لهب لا يخمد كأمواج بحر متلاطمة أو كرياح عاصفة تدمر كل شيء بأمر ربها [٢] و ذلك أني وجدت حرارات شهوات المأكولات و المشروبات في نفسي عند هيجان نار الطبيعة في الجوع كأنها لهيب نيران لا يطفأ و وجدت حرص النفس كوعاء لا يمتلئ من جميع ما في الدنيا من المتاع و وجدت نفسي الحيوانية عند هيجان نار الحركة كأنها حريق يرمي بشرر كالقصر [٣] و رأيتها عند حرارة الكبر كأنها جبار قد أقبل تدعي الربوبية و رأيتها عند حرارة نار الافتخار و المباهاة كأنها أفضل خليقة و عند هيجان حرارة الرئاسة و تمليكها لها كأن الناس كلهم عبيد لها و خدم و رأيتها عند حركاتها و عند أفاعيل اللهو و اللعب كأنها مجنونة والهة و رأيتها عند هيجان نار الحسد كأنها تريد خراب الدنيا و زوال النعم و حلول النقم و على هذا القياس وجدت و رأيت حكم سائر أخلاقها الردية و خصالها الذميمة فعلمت عند ذلك بأن كلها نيرانات لا تخمد و حرقات لا تطفأ و أعداء لا يصطلحون و حرب لا تسكن و داء لا يبرأ و أمراض لا تشفى و شغل لا يفرغ منه إلا الموت.
فتشمرت عند ذلك بالعزم الصحيح و شددت وسطي للحرب و أخذت سلاح الاجتهاد و أسندت ظهري إلى الله بالتوكل عليه و فتحت عيني بالنظر إلى إشارة العلم و سلكت منهاج السنة و قصدت الصراط المستقيم إلى الباري و ناديته نداء الغريق و دعوته دعاء المضطر و أقررت بالعجز و طرحت نفسي بين يديه بلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم فلما رآني
[١] . النساء ٥٦
[٢] . الأحقاف ٢٥
[٣] . المرسلات ٣٢