مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٠
فالنظر إلى حقيقة الوجود المنبسط على كل موجود يعطي أنه بكماله و تمامه موجود بلا شوب عدم و يعطي أنه لا ثاني له في أصل الوجود و كل ما فرضه العقل ثانيا فبعد تحديق النظر وجده عين الأول.
مثال ذلك ماهية الإنسان مثلا فإنك لو أردت أن تجد لنفس هذه الماهية الإنسانية المطلقة التي لا يشوبها قيد عموم و لا خصوص و لا شيء من الصفات التي يكون غير الإنسانية ثانيا في الوجود لا تجده أصلا إذ لا تفاوت و لا تمايز في أصل الماهية و صرف الحقيقة بل أمر مغاير لها فهكذا حال حقيقة الوجود التي يتحقق بها كل موجود فإنا لا نعني بالواجب إلا الوجود الكامل التام الذي لا يشوبه غير الوجود من الأعدام و القوى و النقائص و الإمكانات و القصورات و كل ما هو كذلك لا ثاني له فلو فرض في الوجود واجبان لكن أحدهما غير منته إلى غاية الكمال فهو ناقص و كل ناقص يحتاج إلى كمال و مكمل فيكون معلولا لغيره فلا يكون واجب الوجود و قد فرض أنه واجب الوجود هذا خلف فقد علم أن نفس حقيقة الوجود شاهد على ذاته بأنه واجب قديم قيوم لغيره و أنه لا شريك له في الوجوب الذي هو كمالية الوجود و تأكده و هذا برهان لطيف أشار إليه الشيخ العارف المستشرق بالأنوار الإلهية في كتابه المسمى بالتلويحات اللوحية و العرشية.
و لنا برهان آخر على هذا المطلب الشريف ذكرناه في الشواهد الربوبية يعطي توحيد الواجب الوجود و يلزم منه أن ليس في الوجود إلا هويته و كون هويات الممكن لمعات من نوره و رشحات من بحر وجوده فإذن ليس في الوجود إلا هو و هذا تفسير الآيات الثلاث المذكورة و الاستشهاد به لا بغيره عليه من شيم النفوس الزكية التي هي من نور الملكوت و سناء اللاهوت كيف لا و العلوم الإلهية التي جاءت في عالمنا هذا إنما جاءت بها النفوس من عالم الإله و معدن الأرواح إذ هي كانت فيه مشاهدة لصورة شاهد الجلال قاطنة [١] في ساحة الكمال أ لا ترى إلى قوله تعالى مدحا لأبينا أبي البشر آدم الذي كنا في صلبه قبل مجيئنا إلى هذا العالم وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [٢] و تلك الأسماء التي هي عين المسميات من حقائق
[١] . أي ساكنة
[٢] . البقرة ٣١