مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٩
فاعلم أن لها وجودا في هذا العالم الحس و وجودا في عالم الغيب و التمثيل و أما وجودها في هذا العالم فلما مر إذ ما من جسم له ضرب من اللطافة و الاعتدال إلا و له روح يناسبه و نفس فائضة عليه من المبدإ الفعال و يحتمل أن يكون سبب ظهور الصورة الخفية [١] في بعض الأوقات دون بعض أن يكون لها أبدان لطيفة مقتصدة في اللطافة قابلة للتخلخل و التكاثف فإذا صارت متكاثفة غلظ قوامها فرئيت و إذا صارت متخلخلة رق قوامها و لطف جسمها فغابت عن الأبصار كالهواء إذا صارت غيما بالتكاثف رئي و إذا عادت إلى لطافتها لم ير فإن الغيم ربما يكون بتكاثف الهواء نفسها من دون مدد من بخار البحار و غيرها كما تحقق في موضعه و أما وجودها في غير هذا العالم و حضورها و ظهورها على معدن التخيل و الحس المشترك فيستفاد من مباحث النبوات و الإنذارات و مسائل كيفية المعجزات و الكرامات فهذه المسألة من فروعات تلك المسائل فإن تمثل الشياطين و الجن بصورها المختصة بها للنفوس الناقصة الواهنة الكاهنة هو من قبيل تمثل الملائكة لجبرئيل و ميكائيل بصورها المختصة بها للنفوس الكاملة النبوية إلا أن المقامات متفاوتة علوا و سفلا و الأعراض متخالفة خيرا و شرا و أكثر ما يقع مشاهدة الجن في المواضع المظلمة و الغارات و الحمامات و الأتونات و البوادي القفرة و الصحارى الخالية و العمارات القديمة و لعل السبب في ظهور أمثالها و صورها في تلك المواضع أن النفس إذا كانت مشغولة بأعمال قوة من القوى ضعف إعمالها لقوة أخرى إلا أن القوة المتخيلة حيث إنها قوية جدا لقربها من عالم الملكوت لم تصر معطلة عن شغل النفس بها فإذا عرض للنفس ضعف قل اشتغالها بسائر القوى و انصرف بكلها إلى المتخيلة لقوتها و كذلك أيضا إذا كان الاشتغال بالحواس الظاهرة قليلا بسبب ضعفها الفطري أو بسبب دهشتها و انزجارها بإدراك الأمور المؤلمة أو الغير الملائمة فإن النفس متى وجدت في قوة لذة توجهت إليها و أكبت عليها و إذا وجدت ألما توجهت عنها و في تلك المواضع يكون اشتغال النفس بالقوى الإدراكية
[١] . الصور الجنية، ن ل الصور الخبيثة، ن م