مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٥
فإن السفيه قد يختار لنفسه ما هو شر بالنسبة إليه و ضر لجهله و سفاهته ثم لا يكون توليته ذلك إياه عدلا بل ظلما و إنما العدل و الشفقة عليه في ذلك منعه إياه لأنا نقول هذا التولي و التوجيه الذي كلامنا فيه أمر ذاتي لا يحكم عليه الخير و الشر بل هو قبلهما لأن ما يختاره السفيه إنما يعد شرا لأنه مناف لذاته بعد وجود ذاته فلذاته اقتضاء أول متعلق بنقيض هذه السفاهة فذلك هو الذي أوجب أن يسمى ذلك شرا بالقياس إليه و أما الاقتضاء الأول الذي كلامنا فيه فلا يمكن وصفه بالشر لأنه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بأنه شر بل هو الاقتضاء الذي جعل الخير خيرا لأن الخير بشيء ليس إلا ما يقتضيه ذاته و التولي الذي كلامنا فيه هو الاستدعاء الذاتي الأزلي و السؤال الوجودي الفطري الذي يسأله الذات المطيعة السامعة لقول الله كن الداخلة في الوجود امتثالا له و قوله كن ليس أمر قسر و قهر لأن الله غني عن العالمين و لا حاجة له إلى وجودهم بل أمر إذن لأنه مسبوق بسؤال الوجود فكأنه قال لربه ائذن لي أن أدخل في عدلك و هو الوجود فقال الله له كن أي ادخل حضرتي فقد أذنت لك كما حكى الله عن عيسى ع أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ [١] فلو لا سبق السؤال عن الطائر أن يكون لم يسم ذلك إذنا.
فإن قلت كيف أمر الله أمر قسر و جبر في نحو قوله فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [٢] قلنا متى أمر الباري جل ذكره لشيء أمر قسر فذلك أيضا بضراعة منه في باطنه و رحمة من الله ليذيقه من مكنون لطف الجلال فلعمر إلهك يا حبيبي لقد اتصل بالسماء و الأرض من لذيذ الخطاب في قوله ائتيا طوعا أو كرها من مشاهدة جمال القهر ما طربت به السماء طربا رقصها فهي بعد ذلك الرقص و الوجد و النشاط و غشى به الأرض لقوة الوارد فألقيت مطروحة على البساط و سريان لذة القهر هو الذي عبدهما و مشاهدة لطف الجمال هي التي سلبت أفئدتهما حتى قالا قول العاشق ذي الحنين و الوامق
[١] . آل عمران ٤٩
[٢] . فصلت ١١