مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٨٧
قال يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [١] فيصير بجوهرها عالما عقليا فيه هيئة الكل و ينقلب إلى أهله مسرورا [٢] فهذه هي السعادة الحقيقية و الكمال الأتم دون لذة سائر القوى لأنه إذا قيس هذا الكمال المعشوقة لسائر القوى كانت نسبته إليها في العظمة و الشدة و الدوام و اللزوم كنسبة العقل إلى القوى الحسية البهيمية و الغضبية لكنا في عالمنا و نحن مدينون [٣] لانغمار نفوسنا في مشاغل البدن و موارد الحواس لا نحن إليها كل الحنون و لكن من خلع من نفسه ربقة الشهوة و عن عنقه قلادة الهوى و عن بصره غشاوة التقليد و رفض وساوس الشيطان فيطالع شيئا من الملكوت فيجد من تلك اللذة عند انحلال الشبهات و استيضاح المطلوبات شيئا ضعيفا يفوق لذته على كل لذة من لذات هذا العالم من منكح هنييء و مطعم شهي و مسكن بهي و أنت لو كنت عالي النفس متأملا في عويص من المسائل فحضرت بين يديك أطعمة لذيذة لم تتركها غير منقحة دون استفراغ جهدك و استخففت بالشهوة العاجلة فما ظنك إذا انحط عنك شواغل البدن و أوزاره و رفع الحجاب بينك و بين هويتك العقلية فرقيت بذهنك إلى عالم الملكوت و دوام الاتصال لأن النفس كما مر باقية و العقل الفعال باق أبدا و الفيض من جهته مبذول دائما.
فظهر أنه لا يقاس هذه السعادة بما يناله الحواس من اللذات المكدرة بالنقائص و الآفات و لهذا
ورد في الحديث عن النبي ص:
لا عيش إلا عيش الآخرة
و سبب خلو النفس عن إدراك لذة العلوم و المعارف ما دامت متعلقة بالدنيا هو مثل التحذير الحاصلة لقوة الذوق حين عدم نيله لذة الطعوم بواسطة مرض بوليموس [٤] فلو فرض كون المعارف التي هي
[١] . سجدة ٥
[٢] . إنشقاق ٩
[٣] . بدنيون
[٤] . بوليموس هو المعروف بالجوع البقري و هو في الأكثر يتقدمه جوع كلبي و يبطل الشهوة بعده بل يبطل الشهوة أصلا ابتداء و هو جوع الأعضاء مع شبع المعدة فيكون الأعضاء جائية جدا مفتقرة إلى الغذاء و المعدة عائفة له و ربما تعدى فيه الأمر إلى الغشي و يكون العروق خالية لكن المعدة عائفة للغذاء كارهة له و قد يعرض كثيرا للمسافرين في البرد المصرودين الذين تكثفت معدتهم بالبرد الشديد