مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٨
و في أيدي قهرها و إيجادها بل كلا العالمين متلاش مضمحل في لجج أنوارها مغمور و مطموس في قهر أضوائها و آثارها كما قال عز و جل وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ [١] هذا في حق الأجرام العالية و أما في شأن الصور و المواليد الكائنة البالية فقال أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ [٢] فدلت الآيتان بصراحتهما على أن السماء مبنية بالأيد التي هي العقول و ما زعم الظاهريون من أهل التفسير أن الأيد هاهنا بمعنى القوة لا جمع اليد لا ينافي ما ذكرناه من التحقيق لأن اليد عبارة عن ما به الإفاضة للخير على الغير سواء كان عضوا محسوسا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أو قوة عقلية بل هذا كما يقال الوزير يد السلطان أي واسطة فيضه على من سواه و اليد بمعنى العضو المركب المائت الجامد العفن الفاسد في حق الله محال و بمعنى الجوهر الناطق الروحاني جائز فنحن سميناه عقولا كما سماه الشرع ملكا مقربا فإن أحبوا تسميتها بالقوة فلا مشاحة في العبارة بعد الاتفاق على وحدة المعنى لأن معنى العقل و معنى القوة واحد و هو واسطة الإنعام على النبات و الحيوان كما في قوله مما عملت أيدينا أنعاما [٣] إذ هي معمولة أيدي الله و قال أيضا تنبيها على أن عالم الأنفس تحت تصرف العقول فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [٤] و قال أيضا قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [٥] و ملكوت الأشياء ألبابها الروحانية لا قشورها الجسمانية كما ورد في رموز الأنبياء ع أن لكل شيء ملكا و اللب هو الجوهر الخالص الباقي من كل نوع طبيعي و القشر هو الأمر الداثر الزائل و اللب الصافي هو اللائق بأن يتغذى به القلوب و الجنان في دار الجنان و القشر يحرق في أتون جهنم مع الحجارة بالنار المذيبة التي وقودها الناس و الحجارة [٦] فهذه الآية إشارة إلى أن عالم النفوس مقهور تحت استيلاء العقول.
[١] . ذاريات ٤٧
[٢] . يس ٧١
[٣] . يس ٧١
[٤] . يس ٨٣
[٥] . مؤمنون ٨٨
[٦] . بقرة ٢٤