مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩
أكثر المعتزلة و المثبتون تمسكوا في ذلك بوجوه الأول أنه إن كان الجن عبارة عن موجود غير جسم و لا جسماني فحينئذ يكون معنى كونه قادرا على النفوذ في باطنه أنه يقدر على التصرف في باطنه تصرف روحاني في روحاني آخر و ذلك غير مستبعد و إن كان عبارة عن حيوان هوائي لطيف نفاذ كما وصفناه كان نفاذه في باطن بني آدم أيضا غير ممتنع قياسا على النفس الهوائي و الروح البخاري و غيرهما.
الثاني قوله تعالى لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ [١] الثالث
قوله ص: إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم ألا فضيقوا مجاريه بالجوع
و قوله: لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات
و من الناس من قال إن هذه الأخبار لا بد من تأويلها لأنه يمتنع حملها على ظواهرها و احتج عليه بوجوه الأول نفوذ الشياطين في بواطن الإنسان محال لأنه يلزم إما اتساع المجاري أو تداخل الأجسام الثاني أن العداوة الشديدة حاصلة بينه و بين أهل الدين فلو قدر على هذا النفوذ فلم لم يخصهم بمزيد الضرر الثالث أن الشيطان مخلوق من النار فلو نفذ في باطن لصار كأنه نفذ النار فيه و معلوم أنا لا نحس بذلك الرابع أن الشياطين يحبون المعاصي من أنواع الكفر و الفسوق ثم إنا نتضرع بأعظم الوجوه إليهم ليظهروا أنواع الكفر و الفسوق فلا نجد منه أثرا و لا فائدة و بالجملة فلا نرى من عداوتهم ضررا و لا من صداقتهم نفعا الخامس قوله تعالى حكاية عن إبليس وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [٢] صرح بأنه ما كان له على البشر سلطان إلا من الوجه الواحد و أجاب المثبتون للشياطين أما عن الأول فبأنه على القول بأنهم نفوس مجردة فالسؤال زائل و على القول بأنها أجسام لطيفة كالضوء و الهواء فالسؤال أيضا زائل و أما عن الثاني فبأنه لا يبعد أن يقال إن الله و ملائكته يمنعونهم عن إيذاء البشر و أما عن الثالث
[١] . البقرة ٢٧٥
[٢] . إبراهيم ٢٢