مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٤٥
و ثانيها الرزق إذ الحي لا بد له من رزق و رزق الأرواح الأنوار الإلهية و العلوم الربانية و الأشعة و الأضواء القيومية التي هي بذور الأرواح و نطف العقل و رزق الشيء من جنسه فالعقل بالقوة يتناول المعاني الكلية العقلية يصير عقلا كاملا بالفعل كما أن ارتزاق الأجساد بالأجساد و القشور بالقشور و اللباب من اللباب.
و ثالثها الفرح لأن الرزق الموافق سبب للفرح ففي الآية مبالغة من هذه الوجوه و منها قوله تعالى وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ [١] و هذه الآية مثل السابقة غير أن هذه مجملة و هي مفصلة و لكن لا تشعرون أي أنتم لا تعلمون أن المقتول في سبيل الله حي لأنكم توهمتم أن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس و هو مقتول و لا يشعرون أن المسمى روحا هو باق حي في مقعد صدق عند مليك مقتدر [٢] و أمثال هذه مجملا و مفصلا مقيدا و مرسلا في الصحف و الأناجيل و الزبر للأنبياء و سائر كتب الأولياء أكثر من أن يستوفى و يحصى كيف لا و لو لم يكن الإنسان شيئا يبقى بعد موت الجسد أبطل المعاد و ما يبنى عليه من عذاب القبر و السؤال و الحساب و الميزان و سائر المنازل الواقعة على صراط البرزخ إلى يوم يبعثون و بطلت النبوات أيضا و بطلت الكمالات و الغايات و يلزم التعطيل و قد قام البرهان العقلي الحكمي على إثبات أن للطبائع غايات و لو لم يكن النفس باقية بطل ذلك إذ كما أن الحيوان غاية النبات و هي غاية الجماد فلو بطلت الغاية بطل ذو الغاية فكذلك غاية النفس المدبرة للجسد بلوغها إلى حد الكمال العقلي فلو لم يكن مرتكزا في جبلتها بلوغها إليه بل صيرورته دياه لكان وجودها ضائعا معطلا و إذا ارتكز فيها ذلك يلزم الإيمان بوجود نشأة الآخرة هي معاد النفوس و مرجع الأرواح و إليه الإشارة في قوله تعالى أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى [٣] يعني دلت حركة الانتقالية من حد النطفة الجمادية إلى حد النطفة
[١] . بقرة ١٥٤
[٢] . قمر ٥٥
[٣] . قيامة ٣٦ و ٣٧