مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٨
الفاتحة الثالثة في الكلام و حقيقته
اعلم أن التكلم مصدر صفة نفسية مؤثرة معناه إنشاء الكلام لأنه مشتق من الكلم و هو الجرح و فائدته الإعلام و الإظهار فمن قال إن الكلام صفة المتكلم أراد به المتكلمية و من قال إنه قائم بالمتكلم أراد به قيام الفعل بالفاعل لا قيام الصفة بالموصوف و المقبول بالقابل و من قال إن المتكلم من أوجد الكلام أراد من الكلام ما يقوم بنفس المتكلم و هو الهواء الخارج من جوفه من حيث هو متكلم لا ما هو مباين له مباينة الكتاب للكاتب و البناء للبناء و إلا فيكون كتابة و تصويرا لا كلاما و تقريرا.
فأول كلام شق أسماع الممكنات كلمة كن فما ظهر العالم إلا عن الكلام بل العالم عين الكلام و أقسامه بحسب مقاماته و منازله الثمانية و العشرين في نفس الرحمن كما أن الكلمات و الحروف الصوتية قائمة بنفس المتكلم من الإنسان بحسب منازله و مخارجه و الغرض للمتكلم أولا من الكلام إنشاء أعيان الحروف و إيجادها من المخارج و هو عين الإعلام و أما ترتب الأثر على الأمر و النهي و الإخبار و التمني و غير ذلك فهو مقصود ثان غير الإعلام و هذه المغايرة إنما توجد في بعض أقسام الكلام لأنه على ثلاثة أقسام أعلى و أوسط و أدنى.
فأعلاها ما يكون عين الكلام مقصودا أوليا و لا يكون بعده مقصودا آخر [١] لشرف وجوده و تمامية كونه و لكونه غاية لما دونه و هذا مثل إبداعه عالم الأمر بأمر كن لا غير و هي كلمات الله التامات التي لا تنفد و لا تبيد إذ ليس الغرض من إنشائها منه تعالى بأمر كن سوى أمر الله.
و أوسطها ما يكون لعين الكلام مقصود آخر إلا أنه يترتب عليه ترتبا لزوميا من غير تخلف و انفكاك كأمره تعالى للملائكة المدبرين في طبقات الأفلاك بما أوجب عليهم أن يفعلوا فلا جرم لا يعصون الله ما أمرهم
[١] . مقصودا آخرا، ن م