مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٤
قال في (الفتوحات) المكية اعلم أن النبوة البشرية على قسمين قسم من الله تعالى إلى عبده من غير روح ملكي بين الله و بين عبده بل إخبارات إلهية يجدها في نفسه من الغيب أو في تجليات لا يتعلق بذلك الإخبار حكم تحليل و لا تحريم بل تعريف [١] إلهي و مزيد علم بأحوال المبدإ و المعاد أو تعريف بصدق حكم مشروع ثابت من عند الله في هذه الشريعة الإلهية لنبينا ص أو تعريف بفساد حكم قد ثبت بالنقل صحته عند علماء الرسوم فيطلع صاحب هذا المقام على صحة ما صح من ذلك و فساد ما فسد مع وجود النقل و كذا يطلع على صحة ما فسد عند أرباب النقل و فساد ما صح عندهم بالطرق الظنية الاجتهادية أو الأخبار بنتائج الأعمال و أسباب السعادات و أسباب الشقاوات و أثر حكم التكاليف في الظاهر و الباطن و معرفة الحد في ذلك المطلع كل ذلك بتنبيه [٢] من الله و شاهد عدل إلهي من نفسه غير أنه لا سبيل له أن يكون على شرع يخصه يخالف شرع نبيه و لا بد له في طريقة مشاهدة قدم رسوله أمامه.
و القسم الثاني من النبوة هم الذين يكونون مثل التلامذة بين يدي الملك ينزل عليهم الروح الأمين بشريعة من الله في حق نفوسهم يتعبدون [٣] بها فيحل لهم ما شاء الله و يحرم عليهم و لا يلزمهم اتباع الرسل و هذا كله كان قبل مبعث محمد ص فأما اليوم فما بقي لهذا المقام أثر في الأحكام إلا ما ذكرناه من حكم المجتهدين بتقرير الشرع لذلك في حقهم فيحلون ما أداهم الدليل إلى تحليله و أن حرمة المجتهد الآخر و لكن لا يكون بوحي إلهي و لا بكشف و الذي لصاحب الكشف من هذه الأمة تصحيح الشرع المحمدي ص ما له حكم الاجتهاد فلا يحصل لصاحب هذا المقام أجر المجتهدين و لا مرتبة الحكم فإن الحكم بما هو الأمر عليه في الشرع المنزل يمنعهم من ذلك و لو ثبت عند المجتهد ما ثبت عند صاحب هذا المقام [٤] بطل اجتهاده و حرم عليه ذلك الحكم البتة
[١] . تعريفات، (فتوحات).
[٢] . تنبيه، ن م ببينة، (فتوحات).
[٣] . يتعبدهم بها، (فتوحات).
[٤] . المقام من الكشف، (فتوحات).