مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٤
أُنْثى وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [١] فهذه الآية صريحة بأن سبب وجود الأشياء هو العلم لا غير أ و لا ترى إذا تصورنا الصحة تحدث فينا الصحة و إذا تصورنا السقم حدث فينا السقم و أقرب من هذا أن تصور الحموضة يحدث الرطوبة في فمنا و تصور صورة مليحة يهيج قوة الشهوة و يتولد منها النطفة.
و هذه مقدمة مشهورة من أن الأوهام مؤثرة و أن التصورات النفسانية قد تكون مبادئ لحدوث الحوادث و من أنكر مثل هذه الوجدانيات و لا يقبلها إلا بعسر شديد فالأولى ترك مكالمته قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [٢] ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَ يَتَمَتَّعُوا وَ يُلْهِهِمُ الْأَمَلُ [٣] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا [٤] وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [٥] إشارات إلى هؤلاء العميان المنكرين لآيات المعرفة و شواهد الحق.
ثم من العقل الثاني بهذه الاعتبارات الثلاثة و تصوراتها يصدر عنه عقل و نفس و فلك آخر إلى أن تنتهي تلك الأنوار الوجودية و الأفلاك العقلية المحيطة بعضها ببعض التي يلزمها أفلاك جسمانية محيطة بعضها ببعض مع نفوسها بالعقل الأخير الذي صدر عنه الهيولى العنصرية و صورها البسيطة بإعانة من جواهر الأفلاك من جهة قرب و بعد منها و صورها المركبة بإعانة من حركاتها و هذه الأنوار مترتبة كما وقعت الإشارة إليه في شدة الإشراق و ضعفه فكل ما كان أقرب من ينبوع النور كان أشد إشراقا و كل ما كان أبعد منه كان أضعف إشراقا حتى لا يحصل من آخر الأنوار إلا الهيولى التي هي جوهر ظلماني بل ظلمة جوهرية لا تعقل و لا تعقل أصلا إلا بسبب ما حل فيها من الصور و أول ما حصل فيها من الصور هي الثخانة فصارت بها جسما ثخينا يملأ به حشو الفلك الأخير و ذلك المقدار الثخين الجوهري صار بواسطة القرب و البعد عن الفلك أربعة أقسام.
فالذي منه في غاية القرب منه يجب أن يكون حارا و الحرارة رفيق الحياة و الحركة و الذي في غاية البعد عنه يجب أن يكون باردا و البرودة
[١] . فصلت ٤٧
[٢] . الأنعام ٩١
[٣] . الحجر ٣
[٤] . الزخرف ٨٣
[٥] . الأعراف ١٩٩