مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٦٠
التعويل عليها إلا لمن استبصر بمكائد النفس و الهوى و دقائق العلم و التقوى و مثله لا يحتاج في معرفة الفرق بين الخواطر إلى تلك الوجوه منها ما قيل إن الخاطر الذي يدعو إلى الطاعة و العبادة فهو ملكي و ما يدعو إلى الذنب و المعصية فهو شيطاني و هذا غير معتمد عليه إذ رب هم بعبادة يكون أسوأ و أفسد من الهم بمعصية لما فيه من مكائد خفية للنفس و قد تلم بنشاط في العبادة و العبد يظن أنه بنهوض القلب لها و ربما كان لنفاق خفي منه و رعونة كامنة في ذاته لاستشعاره بها المنزلة و الجاه عند الخلق و أقوم الناس بتمييز الخواطر أقومهم بمعرفة النفس و معرفتها صعب المنال لا يكاد يتيسر إلا بعد استقصاء تام في العلوم الحقة مع التقوى و اتفق المشايخ على أن من كان أكله من الحرام لا يفرق بين الوسوسة و الإلهام و قد فرقوا بين هواجس النفس و وساوس الشيطان و قالوا إن النفس تطالب و تلح فلا تزال كذلك حتى تصل إلى مرادها و الشيطان إذا دعى إلى زلة أو معصية فلم يجب يوسوس بأخرى إذ لا غرض له في تخصيص شيء بل غرضه الإغواء كيف يمكن و هذا الفرق و إن كان ثابتا إلا أنه ليس في تحقيقه كثير فائدة لأن الاجتناب عن كل واحدة منهما واجبة نعم هذه المعرفة تفيد في كيفية قطع أسباب كل منهما فإن هواجس النفس تقطع بترك اللذات سيما الجوع و وساوس الشيطان تحسم موادها بالمعارف الحقيقية و كذا يفرق بين الخاطر الملكي و الخاطر الرحماني و لهذا قال بعض الأكابر بنور التوحيد يقبل الخواطر من الله تعالى و بنور المعرفة تقبل من الملك و بنور الإيمان تنهى النفس و بنور الإسلام ينهى العدو و الأولى في الأخيرين أن يقال بالعكس فإن بنور العمل بأحكام الإسلام من الصوم و الزكاة و الجهاد و غيرها يضعف شهوات النفس و هواجسها و بنور المعرفة الحقة باستعمال البراهين تحسم مادة شبهات الشيطان فمادة شبهات الشيطان كمادة شهوات النفس فالأولى ينقطع بالبرهان و الثاني ينقطع بالجوع لأن بالشبع و أكل اللذيذات يتحرك الشهوة و المشتهيات أمور متناهية في معرض الاشتراك فإذا اختصت بالبعض زالت عن البعض فينبعث التنازع و الخصومات و من