مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٩٣
فيسكن إلى أوائل الفهوم و يطمئن إلى مبادئ العقول و لا يسافر من مسقط رأسه و معدن جسمه و منبت حسه و لا يهاجر من بيته إلى الله و رسوله حذرا من أن يدركه الموت و يفوته الصورة الجسمية ثم لا يصل إلى عالم المعنى لعدم وثوقه بما وعده الله و رسوله و عدم تصديقه بما قال تعالى وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [١].
و الحاصل أن الحق عند أهل الله هو حمل الآيات و الأحاديث على مفهوماتها الأصلية من غير صرف و تأويل كما ذهب إليه محققو الإسلام و أئمة الحديث لما شاهدوه من سيرة السابقين الأولين و الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين من عدم صرفها عن الظاهر لكن مع تحقيق معانيها على وجه لا يستلزم التشبيه و النقص و التقصير في حق الله.
قال بعض الفضلاء المعتقد إجراء الأخبار على هيئاتها من غير تأويل و لا تعطيل فمراده من التأويل حمل الكلام على غير مفهومها الأصلي و من التعطيل التوقف [٢] في قبول ذلك المعنى و أكثر أهل الدين على أن ظواهر معاني القرآن و الحديث حق و صدق و إن كانت لها مفهومات أخر فوق ما هو الظاهر
كما في الحديث المشهور: أن للقرآن ظهرا و بطنا و حدا و مطلعا
[٣] كيف و لو لم يكن الآيات و الأخبار محمولة على ظواهرها و مفهوماتها الأولى كما زعمه أكثر الفلاسفة لما كانت فائدة في نزولها و ورودها على الخلق كافة بل كان نزولها موجبا لتحير الخلق و ضلالهم و هو ينافي الهداية و الرحمة و الحكمة فكيف يكون القرآن تبيانا لكل شيء و هدى و رحمة و كيف يكون الرسل هادين المهديين و هم زادوا على ما قالوا ألغازا و مجازات طول أعمارهم فتعالى كلام رب العالمين و حاشى أحاديث نبيه أعلم العالمين عن ذلك فليس لمن بقي في زوايا صدره ذرة من إيمان أن يعتقد في كلام الله و كلام رسوله أن يكون ظاهره كفرا
[١] . النساء ١٠٠
[٢] . التوقيف، ن م
[٣] . أي لكل حد مطلع أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه و المطلع مكان الاطلاع من موضع عال.