مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٠
أنه فقير ممكن و الفقر أو الإمكان له من ذاته لا بجعل جاعل فإن كون الشيء فقيرا ممكنا ليس بجعل جاعل بل الفقر و الإمكان علة الحاجة إلى الجاعل الغني لا بالعكس و لو كان فقر الشيء بالغير لكان جائز الزوال عنه فينقلب الفقير الممكن واجبا غنيا هذا بديهي الخلف.
فثبت أن كونه فقيرا ممكنا أمر له في ذاته كما أن وجوب وجوده و كماله بالواجب بالذات فهناك كثرة مركبة تركيبا عقليا من أمور ثلاثة متفاوتة بالضوء و الظلمة و الظل فالضوء وجوب وجوده الفائض من نور الأنوار و هو نوراني و إمكانه الذي عبارة عن نقصه و فقره هو ظلمة و ظلماني إذ هو منبع العدم و الشر و ماهيته أي المعنى المعنوي المعقول من وجوده المحدود المنعوت بصفة المعلولية و الافتقار و التعلق بالغير هي كظل منه فهذا العقل إذن هو الجوهر الذي قيل فيه أول ما خلق الله جوهره فنظر إليها بعين الهيبة فذابت أجزاؤها فصارت ماء فتحرك الماء و طفا فوقه زبد و ارتفع منه دخان فخلق السماوات من ذلك الدخان و الأرضين من ذلك الزبد بل لهذا شاهد عدل من الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون [١] عن رجس التعصب و الجاهلية و هو قوله أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [٢] و هل الرتق إلا وحدة الشيء الواحد و الفتق إلا تفصيله سماء و أرضا و عقلا و نفسا و فلكا و ملكا و قوله وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ و هو الذي حصل من ذوبانه عند وقوع نظر هيبة الجلال إليه المسمى نفسا كليا كل شيء حي أ فلا يؤمنون [٣] فبحسب هذه الجهات يجب أن يكون له أنظار ثلاثة متفاوتة في الصفاء و الكدورة و الشرف و الخسة إذ العلم الذي مثال من وجود المعلوم يجب أن يكون مثلا له بحسب الحقيقة أحدها نظر إلى عجز نفسه و إمكانه و نقصه الذي هو منبع العدم و الشر و الظلمة.
و الثاني نظر إلى وجوده الموهوب له من وجود الكمال الذي هو نور محض إذ موهوب النور نور لكنه نور محتاج يشوبه ظلمة الفقر
[١] . الواقعة ٧٩
[٢] . الأنبياء ٣٠
[٣] . الأنبياء ٣٠