مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٣٨
أقرب [١] و إذا أشير إلى مكانها و أجيب عن أينها يعبر عنه بأوسع مكان لأن المكان شأنه السعة و الحيطة فيقال جنة عرضها السموات و الأرض [٢] و أمر الإبداع كأمر الإعادة غير زماني و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [٣] و ظهر من هذا الوجه أيضا التشابه بين المبدإ و المعاد
المشهد الثامن في تحقيق عذاب القبر و ثوابه و البعث
قال بعض أهل الكشف و الشهود كل من شاهد بنور البصيرة باطنه في الدنيا لرآه مشحونا بأصناف السباع و أنواع المؤذيات مثل الغضب و الشهوة و الحقد و الحسد و الكبر و العجب و الرياء و غيرها و هي التي لا تزال تفترسه و تنهشه أن ينهى عنها بلحظة إلا أن أكثر الناس محجوب العين عن مشاهدتها فإذا انكشف الغطاء بالموت و وضع في قبره عاينتها و هي محدقة عليه و قد تمثلت بصورها و أشكالها الموافقة لمعانيها فيرى بعينه العقارب و الحيات قد أحدقت و إنما هي ملكاته و صفاته الحاضرة الآن و قد انكشفت له صورها الطبيعية فإن لكل معنى صورة تناسبه و لكل حقيقة مثالا يحاكيه فهذا عذاب القبر.
و قد مر تحقيق أن هذه الصورة حسية عينية لا أنها وهمية محضة و إن كان سعيدا تمثل له ما يناسب أخلاقه الحسنة و ملكاته المرضية و قد أشرنا إلى تحقيق معنى القبر و عذابه حسبما ذكره بعض العلماء [٤] ناقلا من بعض الأقدمين من أن نفس الإنسان إذا تجردت عن غبار البدن ليس يصحبها شيء من الهيئات الطبيعية البدنية و هي عند الموت عارفة [٥] بمفارقة البدن و عن دار الدنيا مدركة ذاتها [٦] بقوتها الوهمية عين الإنسان المقبور الذي مات
[١] . النحل ٧٧
[٢] . آل عمران ١٣٣
[٣] . القمر ٥٠
[٤] . و هو حجة الإسلام الإمام محمد الغزالي في كتابه المسمى المضنون به على غير أهله
[٥] . عالمة بمفارقتها عن البدن، المضنون
[٦] . متوهمة نفسها، المضنون