مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٨
المشهد الثامن عشر في حقيقة الجن و كيفية تكونها
قد علم أن في الوجود نفوسا أرضية قوية لا في غلظة النفوس السبعية و البهيمية و كثافتها و قلة إدراكها و لا على هيئات النفوس الإنسانية و استعداداتها ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة الغالبة عليها الأرضية و لا في صفاء النفوس المجردة و لطافتها ليتصل بالعالم العلوي و يتجرد أو يتعلق ببعض الأجرام السماوية فهي إذن متعلقة بأجرام عنصرية غلب عليها الهوائية و النارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها و منازلها سماها بعض الصوفية الصور المعلقة و لها علوم و إدراكات من جنس علومنا و إدراكاتنا الوهمية و أوائل العقليات و لما كان لنفوسها ضرب من الفعلية و الكمال في أول الفطرة لغلبة النارية على أبدانها ليس لها إمكان الترقي إلى الكمالات العقلية كما للإنسان حيث خلق ضعيفا متهيئا لقبول الأحكام القدرية متحملا للتكاليف العقلية و الدينية معرضا للآفات و البليات و الرياضات مبتلى بالخير و الشر قابلا للفناء و البقاء و الموت و الحياة و لذلك يقع له الترقي من أدنى المنازل إلى أعلى المقامات و يصعد إلى منتهى السماوات.
و أما هذه النفوس الجنية فلقوة مادتها النارية لها فعلية صورة تضاد لفعلية صور الأنوار السماوية و لهذا صارت مزجورة عنها مرجومة من معدن النور و الرحمة لقوله تعالى فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً [١] و هو من الأنوار الملكية أو الفلكية المضادة لها نفسا و بدنا و كما قال الله تعالى لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ [٢] و لا ينكر أن يشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق و تهلك أو تزجر من الارتقاء إلى الأفق السماوي فإنها ليست بخارجة عن حد الجواز و الإمكان و قد أخبر عنها أهل الكشف و العيان و نطق بها الفرقان الصادع به سيد الأنس و الجان ص هذا تحقيق وجودها و أما كيفية ظهورها في بعض الأوقات دون بعض و على بعض أفراد الناس دون بعض.
[١] . الجن ٩
[٢] . الصافات ٨ و ٩ و ١٠