مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٨٥
و من مقتر [١] غال في حسم باب العقل كالحنابلة أتباع ابن حنبل حتى منعوا تأويل قوله كُنْ فَيَكُونُ [٢] و زعموا أن ذلك خطاب بحرف و صوت يتعلق بهما السماع الظاهري يوجد من الله في كل لحظة بعدد كل مكون حتى نقل عن بعض أصحابه أنه كان يقول حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ
قوله ص: الحجر الأسود يمين الله في الأرض
و قوله: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن
و قوله: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن
و من الناس من أخذ في الاعتذار عنه بأن غرضه في المنع من التأويل رعاية إصلاح الخلق و حسم الباب للوقوع في الرخص و الخروج عن الضبط فإنه إذا فتح باب التأويل وقع الخلق في الخرق و العمل بالرأي فيخرج الأمر عن الضبط و يتجاوز الناس عن حد الاقتصاد في الاعتقاد و قال أبو حامد الغزالي لا بأس بهذا الزجر و يشهد له سيرة السلف بأنهم كانوا يقولون أقروها كما جاءت حتى قال مالك لما سئل عن الاستواء الاستواء معلوم و الكيفية مجهولة و الإيمان به واجب و السؤال عنه بدعة.
و أما المقام الثالث فهو طائفة ذهبوا إلى الاقتصاد في باب التأويل ففتحوا هذا الباب في أحوال المبدإ و سدوها في أحوال المعاد فأولوا أكثر ما يتعلق بصفات الله من الرحمة و العلو و العظمة و الإتيان و الذهاب و المجيء و تركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها و منعوا التأويل فيها و هم الأشعرية أصحاب أبي الحسن الأشعري و زاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفات الله ما لم يؤوله الأشاعرة فأولوا السمع إلى مطلق العلم بالمسموعات و البصر إلى العلم بالمبصرات و كذا أولوا حكاية المعراج و زعموا أنه لم يكن بجسد و أول بعضهم عذاب القبر و الصراط و جملة من أحكام الآخرة و لكن أقروا بحشر الأجساد بالجنة و اشتمالها على المأكولات و المشروبات و المنكوحات و الملاذ الحسية و بالنار و
[١] . معتر، ن م المقتر البخيل الذي يفيق على عياله
[٢] . البقرة ١١٧