مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٥
الفصل الخامس في عصمة الملائكة
اعلم أن الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب و من الحشوية من خالف في ذلك لنا وجوه عقلية و نقلية أما العقل فلأن المعصية معناها في الحقيقة عبارة عن مخالفة القوة السافلة للقوة العالية فيما لها أن يفعل للغرض الأعلى عند تخالف الأغراض و الدواعي و ذلك إنما يتصور فيما يتقوم ذاته و وجوده من تركيب قوى و طبائع متضادة و الملائكة سيما العليون منزهون عن ذلك.
و أما النقل فمنها قوله تعالى لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [١] و هذه الآية و إن وردت في حق ملائكة النار لكن ما فوقهم أولى بنفي العصيان فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [٢] فقوله وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يتناول جميع فعل المأمورات و ترك المنهيات لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه و دلالة هذا القول على العموم لأجل صحة استثناء كل واحد من المأمورات عنه و معنى الاستثناء إخراج أمر عن الكلام لولاه لدخل فيه كما بين في الأصول الفقهية.
فإن قلت قد ذكرت من قبل أنه لا يمكن فيهم العصيان فما منشأ خوفهم عن الله.
قلت خوف المعصومين من الله هو خوف القرب و خشية العظمة و النعمة لا خوف العذاب و النقمة و ذلك معنى قوله يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ و قوله هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ [٣] و منها قوله تعالى بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [٤] و منها أنه حكى الله عنهم أنهم يسبحون الليل و النهار لا يسأمون [٥] و من كان كذلك امتنع صدور المعصية منه و منها أنهم
[١] . تحريم ٦
[٢] . نحل ٥٠
[٣] . مؤمنون ٥٧
[٤] . أنبياء ٢٦
[٥] . فصلت ٣٨