مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٢٦
حيز الكتمان و لم يعرف أحد إياها حق معرفتها إلا أولياء الله المتجردين عن عالم البشرية و الأولى لمن أراد أن يقف على أحوال النفس أن يقتدي بهم و يقتفي آثارهم و يقتبس من أنوارهم و يهاجر أغراض الطبيعة و يلطف سره عن شواغل هذا الأدنى ليشاهد ذاته المجردة عن الأحياز و الأمكنة و يتحقق لديه أنه لو لا اشتغال النفس بتدبير قواها الطبيعية و انفعالها عنها لكان لها اقتدار على إنشاء الأجرام العظيمة المقدار الكثيرة العدد فضلا عن التصرف فيها بالتدبير و التحريك إياها كما وقع لأصحاب الرياضات و قد جربوا من أنفسهم أمورا عظيمة و هم بعد في هذه النشأة فما يكون شأنه هذا الشأن فكيف يكون محصورا في بدن صغير مظلم مركب من الأخلاط معروض للعلل و الأمراض و أنت مع شواغلك إذا فكرت في آلاء أو سمعت آية تشير المسرى و أحوال الأمور القدسية انظر كيف يقشعر جلدك و تقف شعرك تضطرب أعضاؤك و يهون عليك رفض البدن و قواه و هواه و ذلك لأجل كونه صار مقهورا تحت سطوة نور قذف في قلبك من جانب القدس و انعكس أثره إلى ظاهر جلدك من الوجه الباطن و ربما كان في مثل هذه الأحوال أن يندك أعضاؤك كاندكاك جبل موسى عن أثر تجلي الحق من جانب القدس الأيمن فما ظنك بنفوس كريمة إلهية عاشقة لأنوار كبريائه حاشى ذاتها الكريمة النورية عن كونها منفعلة مفتقرة إلى الأجسام و أحوالها.
طريق آخر.
النفس و البدن متعاكسان في القوة و الضعف فهذا يدل على أن كلا منهما من عالم آخر فبعد الأربعين كملت النفس و كلت الآلة و من المكشوف من طريقتنا في باب تقلبات النفس و تطوراتها و حركاتها الذاتية إلى الآخرة و عند الله كما يستفاد من الشواهد القرآنية أن عروض موت البدن بالطبع لأجل انصراف النفس عن هذه النشأة الطبيعية إلى النشأة الثانية و ما بعدها ففتور البدن و شيبه و هرمه ثم موته منشأ فعلية النفس و تأكدها و تفردها بذاتها دون البدن و أما الخرافة العارضة عند الهرم بسبب قلة الحرارة و فرط الضعف في الآلة فليست بقادحة فيما ذكر لأن حاجة النفس إلى