مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٥٧
و الأرض لآيات لقوم يتقون [١] و هذه الآيات إنما تصورت و تحققت في مواد عالم الخلق لأن يصير لأصحاب الأفكار و أولي الأبصار بسبب مطالعة هذا الآيات الفعلية [٢] المنبثة في الآفاق استيهال استماع الآيات القولية المنبثة [٣] في العقول و الأنفس ليحصل لهم بالتفكر الانتقال من محسوسها إلى معقولها و الارتحال من جزئياتها إلى كلياتها المسافرة من الشهادة إلى الغيب و المهاجرة من الدنيا إلى الآخرة ليستعدوا لقاء الله و الفوز بالنعيم الدائم كما قال الله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [٤].
تنبيه اعلم أن الإنسان ما دام كونه في مضيق عالم الشهادة و في سجن عالم الزمان و المكان و انحصاره في الظلمات و تقيده بالحواس لا يمكنه مشاهدة الآيات الآفاقية و الأنفسية و تلاوتها إلا واحدة بعد واحدة و يوما بعد يوم فيتلوا منها آية و يغيب عن نظره أخرى فيتوارد عليه الأوضاع و يتعاقب عليه الآنات و الأوقات اللهم إلا بحسب الذكر دون المشاهدة فذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات [٥] و هو على مثال من يقرأ طومارا و ينظر إلى سطر منه بعد سطر و يطلع على حرف منه بعد حرف و هذا لقصور دركه عن مشاهدة الجميع دفعة واحدة فإذا قويت بصيرته و تكحلت عين قلبه بنور الهداية و التوفيق كما هي عند القيامة فيتجاوز نظره عن مضيق عالم الخلق و الظلمات إلى سعة عالم الأمر و النور الذي ينشأ منه أسباب الكون و مبادي الوجود فيطلع على جميع ما في هذا الكتاب الجامع للأكوان الخلقية دفعة واحدة كمن يطوي عند نظره السجل الجامع للسطور و الحروف يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب [٦] و السموات مطويات بيمينه [٧] و لم يقل بشماله
[١] . يونس ٦
[٢] . العقلية ن م ل
[٣] . المثبتة، ن م ل
[٤] . فصلت ٥٣
[٥] . إبراهيم ٥
[٦] . الأنبياء ١٠٤
[٧] . الزمر ٦٧