مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٦٧٤
البداية في النهاية فينبغي أن ينتفي منه هذه الصفات على الترتيب المعاكس للترتيب الأول الحدوثي.
فالسالك إلى الله تعالى على الطريق المستقيم لا بد أن ينتفي أولا منه الإرادة يستهلك [١] إرادته في إرادة موجده المطلق الواحد الحق و لم يبق فيه إرادة و لا خيرة إلا خيرة الله لأن وجود جميع الموجودات إنما يتحقق تبعا لإرادة الحق سبحانه التي هي عين ذاته و هو الموجد الحقيقي فقط و ليس لغيره رتبة الإبداع و لا الإحداث.
فإذا ثبت و تحقق في هذا المقام و تقرر له هذا الاعتقاد و تيقن به حصل له مقام الرضا و من رضي بما قضى الله تعالى استراح من الآلام و الأحزان فيكون أبدا في سلامة و صحة و هذا باب الدخول في لذات النعيم لأنه قد صار مطيعا لأوامر الله راضيا بقضائه و قضاؤه لا يكون إلا خيرا و نعمة فيكون أبدا في الجنة لهم ما يشاءون فيها و لدينا مزيد [٢].
و البرهان على أن من رضي بالقضاء الإلهي يكون في الجنة هو أن رحمة الله واسعة لكل شيء سابقة على غضبه و قد ثبت أيضا أن وضع العوالم و النشآت منه تعالى على أبلغ النظامات خيرا و كمالا و لا قصور و لا شرية إلا في نظر المحجوبين عن درك الحقائق على وجهها فإذا خلص الإنسان من تغليظ الوهم و تلبيس الشيطان و وساوسه و صح إدراكه العقلي و تنور قلبه بنور الهداية و التوفيق رأى الأشياء في غاية الجودة و الخير و النظام بل يرى وجه الحق الباقي في كل أمر و حسن الجمال المطلق و خيره في كل فعل و أثر و كل من رأى خيرا أو أدرك جمالا يكون ذلك لذيدا عنده فيكون ملتذا راضيا به فمن رأى صورة جملة العالم على أبلغ نظام و أجود ترتيب فيكون في جنة عرضها السموات و الأرض [٣] و من لم يرض بقضائه لم يكن له من هذا النعيم نصيب و كان
كما ورد في الحديث الرباني: من لم يرض بقضائي فليعبد ربا سوائي و ليخرج من أرضي و سمائي
و بهذا الوجه يسمى خازن الجنة رضوانا لأن الإنسان ما لم يصل إلى هذا المقام من المعرفة
[١] . بل يستهلك، أسرار الآيات
[٢] . ق ٣٥
[٣] . آل عمران ١٣٣