مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٣
الفاتحة الثامنة في كيفية نزول الوحي من عند الله على قلب النبي ص ثم إلى الخلق بواسطة كلام الملك
لما عرفت الفرق بين الكلام و الكتاب بوجه فاعلم أن هذا القرآن الذي بين أظهرنا كلام الله و كتابه جميعا و هو بما هو كلام الله نور من أنواره المعنوية نازل من لدنه و منزله الأول قلب من يشاء من عباده المحبوبين لقوله وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [١] و قوله مخاطبا لحبيبه ص نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [٢] و قوله وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ [٣] و هو بما هو كتاب نقوش و أرقام فيها آيات أحكام نازلة من السماء نجوما على صحائف قلوب المحبين و ألواح نفوس السالكين و غيرهم يكتبونها في صحائفهم و ألواحهم بحيث يقرؤها كل قار و يعمل بأحكامها كل عامل موفق و بهداها يهتدون و يتساوى في هداها الأنبياء و الأمم كما في قوله تعالى وَ أَنْزَلَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ [٤] و قوله وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ [٥].
و أما القرآن الكريم ففيه عظائم العلوم الربوبية كان يتعلم بها نبي الله ص لقوله تعالى وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [٦] و فيه كرائم أخلاق الله تخلق بها خاتم الأنبياء ص لقوله وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٧]
و: سئل بعض أزواج رسول الله ص عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن
. فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول في كيفية تنزيل الكلام و إنزال الكتب إن الروح الإنساني كمرآة فإذا صقلت بصقالة العقل القدسي للعبودية التامة و زالت عنه غشاوة الطبيعة و رين المعصية لاح له حينئذ نور المعرفة و الإيمان و هو المسمى عند الحكماء بالعقل المستفاد و بهذا
[١] . الشورى ٥٢
[٢] . الشعراء ١٩٣
[٣] . الإسراء ١٠٥
[٤] . آل عمران ٣
[٥] . المائدة ٤٣
[٦] . النساء ١١٣
[٧] . القلم ٤