مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٠
الظاهرية قليلا فإن في المواضع الغير الخالية ربما وقع الاشتغال بجميع القوى و قد تشتغل ببعضها و النفس شديدة التوجه إليها و أما في المواضع الخالية فالنفس للدهشة التي تعرضها بواسطة إدراك الأمور الغير المأنوسة لا يتوجه إلى تلك القوى إلا قليلا فيرى حينئذ ما يناسب حالها و أغراضها و مآربها في عالم الآخرة بمرآة القوة المتخيلة التي هي مظهر من مظاهرها فيقع عكسه في مرآة الحس المشترك فيرى مشاهدة كما ترى بالحس الظاهر سائر المحسوسات في هذا العالم و كثيرا ما يقع الاشتباه و الالتباس بين ما يراه الإنسان بعين الحس و ما يراه بعين الخيال مع أنهما مختلفتا الأحكام فرب قليل في عين الحس هو كثير في عين الخيال و بالعكس كما قال تعالى وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [١] و قال يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [٢] و ما كانوا مثليهم في عالم الحس فلو لم يرهم بعين الخيال كانت الكثرة في القليل تناقضا و كذبا و إن كان الذي أراهم ذلك أراهم بعين الخيال كانت رؤية الكثرة في القليل حقا و القلة في الكثير حقا لأنه حق في الخيال و ليس في الحس إدراك القليل كثيرا و الكثير قليلا لاختلاف نشأتي الخيال و الحس و هذا كما ترى اللبن في الخيال فتشربه و لم يكن ذلك اللبن سوى عين العلم فما رأيته لبنا و هو علم إلا بعين الخيال.
و في كتاب إخوان الصفا ذكر في ماهية الشياطين و جنود إبليس أجمعين أن النفوس المتجسدة الخيرة ملائكة بالقوة فإذا خرجت قوتها إلى الفعل و فارقت أجسادها صارت ملائكة بالفعل و كذلك النفوس المتجسدة الشريرة هي شياطين بالقوة فإذا فارقت أجسادها كانت شياطين بالفعل فهذه النفوس الشيطانية توسوس الشيطنة بالقوة لتخرجها من القوة إلى الفعل كما قال تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً [٣] و شياطين الأنس هي النفوس المتجسدة الشريرة آنست بالأجساد و شياطين الجن هي النفوس الشريرة المفارقة للأجساد
[١] . الأنفال ٤٤
[٢] . آل عمران ١٣
[٣] . الأنعام ١١٢