مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٣
إليها في الإيجاد إذ لو استغنى فيه عنها لاستغنى في الوجود أيضا فلم يكن ماديا بل مجردا و المفروض خلافه و توسط المادة إنما يحصل بوصفها اللازم لها و لهذا لا يضيئ الشمس إلا ما يقابلها و لا يسخن النار إلا ما يجاورها.
و أما إذا كانت طبيعته نفسه فالنفس لها وجهان وجه إلى الجسم و وجه إلى العقل فهي بحسب وجهها الجسماني حكمها حكم الطبيعة في أن تأثيرها ليست إلا بمشاركة الوضع فشأنها ليس إلا الإعداد و التحريك و التدبير دون الإيجاد و التأثير و أما بحسب وجهها العقلي فذلك لا يكون إلا باتصالها بالعقل المفارق و اتحادها معه فالمؤثر حينئذ بالحقيقة هو العقل المفارق لا غير فالمؤثر في إيجاد كل سماء ليس إلا عقلا مفارقا و ملكا مقربا واسطة في وصول فيض الوجود إليها.
المسألة السادسة أن العقول المفارقة و هي كلمات الله التامات التي لا تبيد و لا تنقص ينبغي أن تكون متكثرة حسب تكثر السماوات كما قال وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها [١] بل لا يجوز أن يكون عددها أقل من عدد الأجرام السماوية و ذلك لأنها ثبت أنها مختلفة الطبائع و أنها ممكنة الوجود فيحتاج في وجودها إلى علل مختلفة كثيرة حتى يصدر عن كل واحد واحد و قد علمت أن الكثرة في ما فوق الماديات القابلة للقسمة الخارجية لا تكون إلا نوعية و لا يتصور تكثر الأفراد العددية إلا في المادة و ما يتعلق بها فهذه العقول متخالفة الحقائق كل منها أمر واحد من حضرته تعالى و كلمة من كلماته و شأن من شئون الحق و اسم من أسماء الله الحسنى فإن اسمه لا يكون ألفاظا و حروفا بل أجل من ذلك و من أن يقع في عالم الأكوان الجسمانية و إليه الإشارة بقوله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [٢] و قد بينا ذلك في تفسير سورة الأعلى.
و الاسم عند الصوفية عبارة عن الذات مع اعتبار المفهوم من صفة من الصفات و عند التعمق مآل ما ذكروه إلى ما ذكرنا و هذه العقول ينبغي أن تكون هي المعشوقات لنفوس السماوات فيكون التفات كل واحدة منها إلى علتها و إلى طلب التشبه بها إذ يستحيل أن يكون معشوق الكل واحدا
[١] . فصلت ١٢
[٢] . أعلى ١ و ٢