مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٥٨٣
التصور بتلك الصور كما هو المشهور و طابقه اعتقادات الجمهور من الفلاسفة حتى رئيسهم فإنه قد شنع على فرفوريوس القائل باتحاد العاقل و المعقول في كتبه كالشفاء و الإشارات تشنيعا بليغا إلا أنه رجع بعد ذلك عن هذا الإنكار البليغ و جوزه لما رأى من قوة هذا الرأي.
و ليت شعري أن النفس بقوتها العاقلة التي هي في ذاتها خالية عن صور المعقولات كلها كيف تنال و تدرك المعقولات و بأي شيء ينالها و يدركها أبدأتها العارية الجاهلة المظلمة الأشياء الخارجة و يدرك الأنوار العقلية و من لم يكن بذاته مدركا لشيء و لم يحصل لذاته بذاته شيء فكيف يدرك شيئا آخر و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور [١] أو ينال الأشياء المعقولات بتلك الصور الحاصلة فيه.
فنقول ما لم يدرك أولا تلك الصور الحاصلة فيه فكيف يدرك بها ما خرج عن التصور و إلا فإن جاز ذلك فإما بأن يكون تلك الصور عاقلة لذاتها و لغيرها و معقولة لذاتها أو بأن يكون هي معقولة و عاقلة لما وراءها و كلاهما محال لأن هذه الصور إذا كانت زائدة على الجوهر النفسي الذي هو عقل بالقوة قائمة به فلا يكون عاقلة لذاتها و لا لغيرها أصلا لأن العقل حصول صورة مجردة لشيء و حصول شيء لشيء متفرع على حصول ذلك الشيء لنفسه و ما حصوله لغيره لا يكون حاصلا لنفسه فلا يكون عاقلا لذاته ثم الكلام عائد أيضا في الشق الأخير من كون الصور العقلية معقولة للنفس و عاقلة لما وراءها و هو أن النفس كيف يكون عاقلة إياها أ بذاتها العارية التي هي كانت قوة محضة و قد علمت بطلانه أو بصورة أخرى فيتضاعف الصور و يعود الكلام هكذا إلى غير النهاية و هو محال فبقي أن النفس ما لم يصر صورة عقلية لشيء لا يدرك ذلك الشيء.
فثبت أن كل عاقل عين جميع معقولاته فكل عقل يكون معقولاته أكثر فهو أشد عقلية و أكمل ذاتا و أقوى وجودا و أكثر آثارا و بهذا يتفاوت درجات العقول المفارقة التي بعضها فوق بعض إلى أن ينتهي إلى واجب القيوم المحيط بالكل جل ذكره.
[١] . نور ٤٠