مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٧
خاتمهم عليه و عليهم السلام حيث لم يحتج في تكميل نفسه القدسية إلى معلم خارج بشري بل يكاد زيت نفسه الناطقة يضيء بنور ربه و لو لم تمسسه نار التعليم البشري لغاية لطفه و ذكائه فالعقول المقدسة عن الأجرام هي كلمات الله التامة العليا و النفوس المدبرة للسماويات هي كلماته الوسطى و النفوس السفلية هي كلماته السفلى و كثيرا ما كان
يقول شارع العرب و العجم ص: أعوذ بكلمات الله التامات كلها
يشير به إلى العقول الكاملة التامة التي أعطى لها جميع كمالاتها اللائقة بها في أول الإبداع بخلاف النفوس و الأجرام فالأجرام نواقص أبدا و النفوس مستكفيات بعضها و متوسطات بعضها في الكمال و النقص و العلو و السفالة و بعضها ناقصات مستحيلات هالكات كالأجرام.
و هذه المراتب الثلاث يستفاد من قوله تعالى وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [١] و هي كالأنوار الثلاثة المحسوسة في عالم الأجسام و هي الشمس و القمر و النجوم فإن هذه الأنوار المحسوسة ظلال لتلك الأنوار و طلسمات لتلك الصور فالشمس مثال للعقل و القمر مثال النفس الفلكية و الكواكب أمثلة النفوس الثلاثة الأرضية المختلفة بالصغر و الكبر و الإشراق و الجلاء و النور و البهاء و إذ قد تلوت قوله تعالى وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [٢] و فهمت أن المراد من السماوات و الأرض كل الجسمانيات و تدبرت في أن ملكوت عالم الأجسام هي أرواحها كالعقول و النفوس علمت أن سير الخليل على نبينا و عليه السلام كان في عالم الروحانيات لا في عالم الجسمانيات كما زعمت الغاغة من الناس الذين ليس لهم من العلم الظاهر إلا الاسم و الرسم فضلا عن العلوم الحقيقية الباطنية إن سيره كان في عالم الأجسام و كان في حالة سيره هذا غير عارف بربه و هذه زعمة عمياء و بصيرة عوراء حيث لم يتفطنوا لقوله تعالى على ما حكى الله عنه لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [٣] فإن قوله هذا دال على أنه ع كان قبل هذه الحال عارفا بربه مقبلا
[١] . واقعة ٧ إلى ١٠
[٢] . أنعام ٧٥
[٣] . أنعام ٧٧